حضرموت… كيف تحولت المحافظة إلى ساحة للصراع الإقليمي؟

April 29, 2025 تم النشر في
مقالات الرأي
...

أماني خليل
وحدة الشؤون السياسية
رصد وتحليل

حضرموت، المحافظة الشرقية التي تحتل 36% من مساحة اليمن وتضم نحو 40% من ثروته النفطية إلى جانب العديد من الثروات الأخرى، بحسب إحصاءات رسمية، لطالما لعبت دورًا بارزًا في الحياة السياسية والاجتماعية اليمنية.

ورغم أن حضرموت ظلت طوال السنوات الماضية نموذجًا للاستقرار وبعيدة عن الصراع بين الحكومة الشرعية ومليشيا الحوثي، إلا أن تداعيات الحرب دفعتها مؤخرًا إلى قلب صراع نفوذ إقليمي بين السعودية والإمارات. هذا الصراع، كما يرى مراقبون، أدى إلى تشكيل كيانات وتحالفات قد تزيد من حدة التوتر السياسي على تمثيل المحافظة، التي تكتسب أهمية بالغة على الصعيدين الوطني والإقليمي.

تزامنت الذكرى التاسعة لتحرير ساحل حضرموت مع تصاعد النزاعات بين عدة أطراف داخلية وخارجية، جميعها تسعى كما تقول إلى تمثيل المحافظة وتلبية مطالب أبنائها. تشهد المحافظة سباقًا محمومًا لحشد الدعم السياسي وتعزيز النفوذ وسط توترات أمنية وسياسية متسارعة قد تعيد رسم الخارطة السياسية، وفق مراقبين.

في 24 أبريل 2025، احتفل "حلف قبائل حضرموت" بذكرى تحرير الساحل في غيل بن يمين، في فعالية شعبية بقيادة وكيل المحافظة الشيخ عمر بن حبريش، الذي زار المملكة مؤخرًا. خلال الاحتفال، شدد بن حبريش على تصعيد مطالبه، من المطالبة بشراكة عادلة في السلطة والثروة إلى الدعوة للحكم الذاتي والحق في تقرير مصير حضرموت، رافضًا التبعية لأي كيانات خارج المحافظة، في إشارة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي.

وفي رد مقابل، نظم "المجلس الانتقالي الجنوبي" احتفالية بذكرى تحرير الساحل في المكلا بقيادة نائبه أحمد سعيد بن بريك، الذي سعى من خلال زيارته الأخيرة إلى حضرموت احتواء التوتر المتصاعد بين حلف قبائل حضرموت والمجلس الانتقالي الجنوبي والسلطة المحلية وتقريب وجهات النظر وتخفيف التصعيد

وسط هذا الصراع، شهد 14 أبريل 2025 الإعلان عن كيان سياسي جديد تحت اسم "تيار التغيير والتحرير"، يتزعمه القيادي في تنظيم القاعدة أبو عمر النهدي. وبحسب محللين، يتمتع التيار بدعم إقليمي، رغم غياب تصريحات رسمية تؤكد أو تنفي ارتباطه الخارجي.

ملامح هذا الصراع ليست جديدة؛ ففي 20 يونيو 2024، وبعد مشاورات شاملة دامت شهرًا برعاية سعودية، أعلنت شخصيات ومكونات حضرمية في الرياض عن تأسيس "مجلس حضرموت الوطني"، كيان سياسي يعبر عن تطلعات المجتمع الحضرمي بحسب ماجاء في بيان إشهارة ويحظى بدعم سعودي وحكومي .

ويأتي هذا التطور في ظل صراع حاد بين "الهبة الحضرمية" التي أطلقها الشيخ حسن بن سعيد الجابري في أكتوبر 2021، مع قيادة المحافظة للمطالبة بحقوق ابناء حضرموت كما تسميها . وقد أكّد الجابري في تصريحاته أن الهبة حظيت بدعم مباشر من التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات.

وفي موازاة هذه الحركات، كان "مؤتمر حضرموت الجامع"، الذي تأسس في أبريل 2017، يطالب بإقليم حضرمي مستقل في أي تسوية سياسية ، غير أن المراقبين يعتبرون أن المؤتمر فقد زخمه نتيجة تسارع الأحداث وتدخل الأطراف الإقليمية في المشهد.

اليوم، تتشابك المصالح الداخلية مع التنافس الإقليمي، ليهدد المحافظة بتحولها إلى ساحة صراع مفتوحة بين ثلاث قوى رئيسية: السعودية، الإمارات، ومؤسسات الدولة الرسمية. ويرى سياسيون أن المؤسسات العسكرية والأمنية في حضرموت أصبحت موزعة بين النفوذين السعودي والإماراتي؛ إذ تنتشر قوات "النخبة الحضرمية في الجنوب والوسط من الساحل، بينما تسيطر "قوات درع الوطن" المدعومة سعوديًا على مناطق أخرى.

في هذا السياق، لم يكن صراع "الحلف" مع "الانتقالي" إلا غطاء لمعركة أوسع بين أجندات إقليمية، حيث تتآكل سلطة الدولة شيئًا فشيئًا لصالح تقاسم النفوذ.

وعقب عودة الشيخ عمر بن حبريش من السعودية، نظم "حلف قبائل حضرموت" لقاءً قبليًا موسعًا طالب فيه بمنح حضرموت حكمًا ذاتيًا ضمن دولة اتحادية. الحشد الكبير كشف أن حلف قبائل حضرموت أصبح لاعبا أساسياً في لعبة التجاذبات التي تعيشها حضرموت ما أثار غضب المجلس الانتقالي، الذي رد بمحاولة سحب الثقة من بن حبريش، دون أن يكون لذلك اي تأثير فعلي، بحسب مراقبين.

يعتبر المجلس الانتقالي حضرموت حجر الزاوية في مشروع استعادة وبناء دولة الجنوب "، بينما يتمسك "حلف القبائل" بمطلب الحكم الذاتي، مؤكدين أن أبناء حضرموت لا يقبلون بأي خيار آخر ولن يكونوا تابعين لاحد

حضرموت على مفترق طرق
تُظهِر حضرموت، بما تملكه من ثروة نفطية وثقل سياسي، كيف يمكن أن تتحول المناطق الغنية بالموارد إلى ساحات للتنافس عندما تضعف الدولة المركزية. فبين مطالب الحكم الذاتي، ومشروع المجلس الانتقالي والمشاريع الأخرى ، والتدخلات الإقليمية، تتشكل معادلة معقدة قد تدفع المحافظة نحو مزيد من عدم الاستقرار.

الصراع في حضرموت ليس مجرد نزاع قبلي أو مطالب محلية، بل هو انعكاس مباشر لصراع نفوذ إقليمي ، حيث تُستخدم الكيانات المحلية كأدوات تفاوض وضغط.

الأخطر من ذلك هو تآكل شرعية الدولة، حيث تتحول القوات الأمنية والعسكرية إلى أدوات لتكريس النفوذ الأجنبي، مما يعمّق حالة الانقسام.

في ظل هذا الواقع، تبقى حضرموت أمام خيارين: إما أن تتحول إلى جسر للحل السياسي الشامل الذي يحمي مصالح أبنائها، أو تصبح ساحة جديدة لتصفية الحسابات الإقليمية، بما يهدد بفتح جبهة صراع إضافية في بلد أرهقته الحرب.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح حضرموت في استخدام ثقلها الاقتصادي والسياسي كورقة ضغط لتحقيق تطلعات أبنائها؟ أم ستظل رهينة لصراعات إقليمية لا نهاية لها؟ الأشهر المقبلة وحدها قد تحمل الجواب.