حكومة الزيدي ومكافحة الفساد

بقلم: د/ حيدر علي محمد
تعد حملة مكافحة الفساد التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في أواخر يونيو 2026، واحدة من أكثر التحركات السياسية والقضائية جرأة في تاريخ العراق الحديث. تستهدف الحملة تفكيك شبكات فساد متجذرة داخل مؤسسات الدولة والطبقة السياسية، مستندة إلى إرادة حكومية وقضائية مشتركة لاسترداد المال العام.
أولاً: السياق الزمني والتحرك الميداني
الانطلاق: بدأت الحملة فجر يوم الأحد 28 يونيو 2026، عبر عملية أمنية دقيقة نُفذت في المنطقة الخضراء ومواقع أخرى، بمشاركة جهاز مكافحة الإرهاب وبإشراف مباشر من رئيس الوزراء ورئيس السلطة القضائية.
المحرك الأساسي: استندت هذه الاعتقالات إلى اعترافات جوهرية أدلى بها عدنان الجميلي (وكيل وزارة النفط الأسبق)، الذي كشف عن شبكة واسعة من المتورطين في غسل الأموال واختلاس المال العام.
ثانياً: أبرز الشخصيات المشمولة بالاعتقالات
أسفرت التحقيقات عن صدور أوامر قبض وتنفيذ اعتقالات طالت عشرات المسؤولين والشخصيات السياسية البارزة بعد رفع الحصانة عنهم، ومن أبرزهم:
- مثنى السامرائي: رئيس تحالف "عزم" البرلماني.
- محمد الكربولي: عضو مجلس النواب.
- زياد الجنابي: عضو مجلس النواب.
- بهاء النوري: عضو مجلس النواب.
- علي معارج: وكيل وزارة النفط (المتهم الرئيسي في قضايا ضبط أموال نقدية ضخمة).
- عدنان الجميلي: وكيل وزارة النفط الأسبق (الشاهد والمحور في كشف الشبكة).
(ملاحظة: أفادت تقارير رسمية بأن إجمالي عدد الموقوفين في الموجة الأولى من الحملة تراوح بين 47 إلى 67 مسؤولاً ونائباً).
ثالثاً: حصيلة الأموال والممتلكات المستردة
تميزت هذه الحملة باكتشاف طرق "مبتكرة ومعقدة" لإخفاء الأموال المنهوبة، ومن أبرز ما تم الإعلان عنه:
ضبط مبالغ نقدية: ضبط ملايين الدولارات (بما في ذلك 14 مليون دولار في إحدى العمليات، وأكثر من 20 مليون دولار مخبأة في أماكن غير تقليدية كقناني المياه وأنابيب الصرف والجدران).
المعادن النفيسة: استعادة حوالي 375 كيلوغراماً من الذهب.
الأصول: مصادرة عقارات وسيارات فارهة تعود للمتورطين في هذه القضايا.
رابعاً: الآليات الفنية لغسل الأموال (تحليل تقني)
كشفت التحقيقات عن اعتماد شبكات الفساد على آليات معقدة لتمويه الأموال المنهوبة، ومن أبرز هذه الطرق: - تجزئة التحويلات: تحويل مبالغ كبيرة إلى مبالغ صغيرة وتوزيعها على حسابات مصرفية متعددة بأسماء أشخاص وهميين أو واجهات تجارية لتجنب الرقابة المصرفية.
- الاستثمار في العقارات والأصول الصورية: شراء عقارات أو مشاريع وهمية عبر شركات "واجهة" (Shell Companies) لا تمارس نشاطاً حقيقياً، حيث تُستخدم لتبرير تدفقات الأموال النقدية على أنها "أرباح تجارية".
- التجارة الدولية الوهمية: استخدام فواتير استيراد مزورة بأسعار مبالغ فيها (Over-invoicing) لتهريب العملة الصعبة خارج البلاد تحت غطاء صفقات تجارية لا وجود لها.
- التخزين المادي: نظراً لتشديد الرقابة المصرفية، لجأ المتورطون إلى تحويل الأموال إلى ذهب وعملات أجنبية وتخزينها في أماكن سرية (غير بنكية) لضمان عدم تتبع حركة الأموال إلكترونياً.
خامساً: الأبعاد السياسية والاقتصادية
الرسائل السياسية: اعتبر المحللون أن الحملة تمثل رسالة من حكومة الزيدي إلى الداخل (بأن لا أحد فوق القانون) وإلى الخارج (وخاصة واشنطن، قبيل زيارة الزيدي الرسمية في يوليو 2026)، للتأكيد على جدية العراق في محاربة غسل الأموال.
التحديات: واجهت الحكومة ضغوطاً سياسية من بعض الكتل النيابية، بينما حظيت بخطوات دعم شعبي وقضائي واسع.
الهدف الاستراتيجي: التأكيد على حماية الاقتصاد العراقي من الفساد الذي قدر خبراء كلفته التراكمية بأكثر من تريليون دولار منذ عام 2003.
الخاتمة
تظل هذه الحملة "مرحلة أولى" في عملية إصلاح هيكلي طويلة الأمد. وتترقب الأوساط الشعبية والسياسية استمرار التحقيقات لضمان خضوع كافة المتورطين للقانون، واستعادة المليارات المنهوبة التي من شأنها دعم عجلة التنمية والاستثمار في العراق، مع ضرورة تعزيز الأنظمة الرقمية لكشف آليات غسل الأموال المتطورة