“عدن بين ثورة القيم ومخاطر الفوضى”

July 1, 2026 تم النشر في
مقالات الرأي
...

قراءة تحليلية في المشهد العدني ومستقبل مكافحة الفساد

بقلم/ م. عبدالله الخراز
المدير التنفيذي للخيمة العالمية للشباب الحضارم
استشاري تطوير مؤسسي وبناء قدرات

يشهد المشهد في العاصمة المؤقتة عدن، منذ أسابيع، حراكاً شعبياً غير مسبوق، تجاوز حدود الاحتجاجات الخدمية التقليدية ليصل إلى جوهر الأزمة اليمنية "الفساد والإفلات من المساءلة". فما يحدث اليوم في عدن ليس مجرد موجة غضب عابرة، بل هو "ثورة قيم" بامتياز، أعادت تشكيل قواعد اللعبة السياسية والاجتماعية.

غير أن هذه اللحظة التاريخية، رغم تفردها، تحمل في طياتها مخاطر جسيمة، قد تقود البلاد، بدلاً من الإصلاح، إلى فوضى أوسع، وتفكيك للدولة، وإرباك للمؤسسة الأمنية التي هي أمس الحاجة إلى الاستقرار في ظل هذه الأوضاع المضطربة. في هذا المقال، نحاول قراءة المشهد بعيون محلل سياسي، نستعرض إيجابياته وسلبياته، ونقترح خارطة طريق لتحويل هذا الزخم الشعبي إلى مكاسب إصلاحية حقيقية ومستدامة.

أولاً: الجوانب الإيجابية "الفرص الذهبية التي أوجدتها الأزمة"

لا يمكن إنكار أن الأحداث الأخيرة في عدن، رغم قسوتها، قد أحدثت اختراقات نوعية في جدار الصمت والتخوف الذي كان يحيط بملفات الفساد. ويمكن إجمال هذه الفرص في أربع نقاط رئيسية:

١. كشف هالة القداسة عن النخبة الأمنية "غير القابلة للمساءلة" حيث أنه للمرة الأولى، وبشكل علني ومتلاحق، تم كشف تورط شخصيات أمنية نافذة كانت تعتبر فوق القانون في قضايا أخلاقية ومالية خطيرة. هذا التجريد من الهالة كسر حاجز الخوف، وأثبت أن لا أحد فوق المساءلة، وأعاد تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية. والأهم من ذلك، أنه عزز فكرة أن "المواطن العادي" أصبح، بفضل وسائل التواصل، رقيباً فعالاً، يصعب على الفاسدين إخفاء جرائمهم في زمن التصوير والتدوين.

٢. ربط المطالب الخدمية بقضية الفساد الإداري الكبرى
إن التحول النوعي الأبرز هو ربط المواطنين لأزماتهم المعيشية اليومية، مثل انقطاع الكهرباء وتلوث المياه، بقضية فساد عقود المشتقات النفطية. فلم تعد المطالب تقتصر على توفير الخدمة، بل تجاوزتها إلى المطالبة بالمحاسبة وكشف المتورطين في هدر المال العام، وهي نقلة نوعية في وعي الشارع العدني.

٣. خلق حالة من "الخوف المحفز" لدى المسؤولين
الخوف من "الافتضاح" اليوم يفوق الخوف من العقوبات الرسمية البطيئة أو غير الفاعلة. هذه الحالة النفسية الجديدة لدى المسؤولين، وإن كانت غير مريحة لهم، قد تدفع البعض لتحسين أدائهم خوفاً من كاميرات الهواتف الذكية، وهو ما يمثل رادعاً شعبياً فعالاً في غياب الردع المؤسسي.

٤. بروز فضاء مدني جديد غير تقليدي حيث أوجد الغضب الشعبي -رغم عنفه أحياناً- مساحة لأنشطة مجتمع مدني غير تقليدية، وتضامن نسائي وشبابي غير مسبوق، وولادة تحالفات جديدة بين شرائح اجتماعية مختلفة. هذه المساحة هي استثمار حقيقي يمكن البناء عليه في المستقبل لدفع إصلاحات جذرية.

ثانياً: الجوانب السلبية "المخاطر الجسيمة التي تهدد الإصلاح"

غير أن لهذه العملة وجهاً آخر مظلماً، يحمل مخاطر حقيقية قد تفوق مكاسب هذه اللحظة إن لم يتم التعامل معها بحكمة منها:

١. تحويل الفساد إلى سلاح سياسي للتصفيات فمن أخطر ما يهدد هذه اللحظة هو توظيف ملفات الفساد، خاصة قضايا الابتزاز الأخلاقي، كسلاح لتصفية الحسابات السياسية بين الأطراف المتناحرة. فعندما تصبح قضية الفساد أداة انتقام، ينحرف مسار العدالة عن هدفه الأسمى، وتُستغل هذه الملفات لتصفية خصوم سياسيين أكثر من كونها أداة لإصلاح حقيقي.

٢. غياب الإطار القانوني واستبداله بـ"غوغائية الشارع" فالاعتماد على الإدانة الشعبية والتسريبات غير الموثقة، في غياب محاكم نزيهة وإجراءات قانونية واضحة، يخلق حالة من الفوضى يمكن أن تطال أبرياء باتهامات مغرضة، بينما يفلت المهرة في التمويه والدجل. المحكمة الحقيقية لمكافحة الفساد هي القضاء المستقل والنزيه، لا الشارع المتقلب.

٣. استنزاف الطاقة الوطنية في صراعات جانبية حيث أن التركيز المفرط على ملفات الفساد الأمني والأخلاقي، رغم أهميتها، قد يصرف النظر عن قضايا فساد كبرى في عقود النفط والغاز والجمارك، حيث تُهدر المليارات، وهي القضايا التي تؤثر مباشرة في معيشة الملايين.

٤. إرباك المؤسسة الأمنية وتفكيكها فحين تطال الاتهامات القيادات الأمنية الميدانية دون محاكمات عادلة، قد تفقد المؤسسة قدرتها على ضبط الأمن الأساسي، مما يترك الباب مفتوحاً أمام الفوضى والخارجين عن القانون، وهو أمر سيكون الفاسدون أول المستفيدين منه.

ثالثاً: خارطة طريق "كيف نستثمر هذه اللحظة؟"

السؤال الأهم الآن هو كيف نستثمر هذا الزخم الشعبي غير المسبوق لتحقيق إصلاحات حقيقية ومستدامة؟ هناك خمسة محاور أساسية يمكن البناء عليها:

١. تحويل الغضب الشعبي إلى ضغط مؤسسي بدلاً من ترك الشارع كأداة عقاب عشوائية، يجب توجيه هذه الطاقة لتشكيل "تحالف وطني لمكافحة الفساد" يضم نقابات ومنظمات المجتمع المدني والأعيان. مهمة هذا التحالف الضغط على الحكومة لتشكيل نيابة عامة متخصصة ومستقلة في جرائم الفساد، وتعزيز دور هيئة مكافحة الفساد ومنحها الاستقلال المالي والإداري الكامل.

٢. إنشاء منصة حماية آمنة للمبلغين تعتبر أولوية قصوى في ظل غياب الحماية القانونية، عبر تطوير منصة آمنة خارج نطاق الأمن السياسي، تتلقى الشكاوى وتحمي الشهود، وتحول الانتقام الشخصي إلى إجراءات قانونية مدعومة بأدلة قابلة للتحقق.

٣. الفصل بين الفساد الأخلاقي والفساد المالي فبالرغم من خطورة قضايا الابتزاز، إلا أنه يجب ألا تغطي على ملفات الفساد المالي التي تمس معيشة الملايين. ينبغي استغلال الحالة العامة لتمرير تشريعات شفافية صارمة في المشتريات الحكومية والعقود، وجعلها شرطاً مسبقاً لأي مساعدات دولية.

٤. إعادة تعريف الأمن كخدمة للمواطن حيث ينبغي أن ينتهج الإصلاح الأمني فكرة أن الأمن الحقيقي هو خدمة المواطن لا ترهيبه، وذلك باستغلال هذا الغضب الشعبي لتطهير الجهاز من العناصر الفاسدة، مع إعادة هيكلة الأجور لتكون مجزية كي لا يضطر رجل الأمن للبحث عن مصادر دخل غير شرعية.

٥. استغلال الرأي العام كمرجعية أخلاقية دائمة حيث يمكن تأسيس مرصد إعلامي مستقل يُقيّم أداء المسؤولين بناءً على معايير الكفاءة والنزاهة وليس الولاء السياسي، مما يجعل السمعة النظيفة عملة سياسية رابحة، ويخلق بيئة تنافسية على الشفافية.

في الختام إن ما حدث في عدن هو فحمة مشتعلة، إما أن تحرق الأعراف الفاسدة التي أرهقت البلاد لعقود، وإما أن تحرق الأخضر واليابس وتقودنا إلى فوضى أوسع.
الجانب الإيجابي الوحيد القابل للاستدامة من هذا المشهد هو تحويل هذا الزخم الشعبي غير المسبوق إلى نسيج مؤسسي وقانوني قوي، وحماية المبلغين، وتفعيل هيئات الرقابة. وإلا فسينتهي المطاف كما انتهت كل ثورات الغضب في بلادنا "باستبدال الفاسدين بآخرين"، يلبسون نفس الثياب، ويمارسون نفس الأساليب، لكن تحت رايات جديدة.
"عدن التي نريدها، وطن النزاهة والعدالة، تبدأ بخطوة منا اليوم، وبحكمة من قادتها، ووعي من شعبها، وإرادة لا تلين في وجه الفساد".