الجنوب بين التحولات المحلية والترتيبات الإقليمية: قراءة في لحظة إعادة التموضع

فاطمة باوزير
صحفية وكاتبة سياسية
شهد الجنوب خلال الفترة الماضية تحولات لافتة أثارت تساؤلات عديدة حول مستقبل المؤسسات والقوى السياسية الفاعلة فيه، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي. فعلى الرغم من أن البعض قرأ ما جرى باعتباره تراجعاً في موقع الانتقالي أو انحساراً في حضوره، إلا أن التطورات الإقليمية تشير إلى صورة أعمق وأكثر تعقيداً مما يبدو على السطح.
ترتيبات أكبر تحكم المشهد
تذهب تحليلات إقليمية ودولية إلى أن المرحلة الحالية تشهد إعادة ضبط واسعة للشرق الأوسط، في ظل سعي الولايات المتحدة إلى ترتيب الملفات الحساسة قبل انشغالها بأولويات عالمية تتعلق بالممرات البحرية وإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن فضّلت إبطاء أو تجميد بعض المشاريع المحلية ذات الطابع الانفصالي في عدة دول، ليس رغبة في إحباطها بقدر ما هو رغبة في إدارة الإيقاع السياسي والأمني في المنطقة.
وعليه، يصبح من الصعب النظر إلى التحولات في الجنوب بمعزل عن هذه البيئة الأوسع، خاصة وأنها تأتي متزامنة مع خطوات مشابهة طالت قوى أخرى في الإقليم مثل "قسد" في سوريا .
موقف الرياض: إدارة وليس إقصاء
من الواضح أن السعودية تعاملت مع الجنوب من زاوية “إعادة تنظيم المشهد” أكثر من كونها محاولة لفرض تغيير جذري على موازين القوى. فالعلاقة مع المجلس الانتقالي لم تنقطع، ولا يبدو أن الرياض تستهدف إضعافه بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى وضع ترتيبات أكثر استقراراً تتناسب مع رؤيتها للأمن الإقليمي والممرات البحرية الحساسة.
فالسعودية تحتاج إلى بيئة جنوبية مستقرة ومفتوحة للتفاهمات، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في التسرع نحو نموذج لدولة جنوبية مستقلة قد يولّد تحديات جديدة في باب المندب أو يفتح الباب أمام تنافس إقليمي حاد.
هل يعني ذلك نهاية دور الانتقالي؟
الوقائع تشير إلى أن المجلس الانتقالي ما يزال جزءاً رئيسياً من المعادلة السياسية في الجنوب، وإن بصيغة مختلفة عن السنوات الماضية. فالتجميد المرحلي لا يلغي الدور، بل يعيد ترتيب طبيعة الحضور وحدود التأثير.
ومن المرجّح أن الفترة المقبلة ستشهد:
مشاركة أوسع للانتقالي في الملفات المحلية والإدارية.
استمرار دوره في تشكيل الهوية السياسية للجنوب ولكن ضمن قالب يتناغم مع التفاهمات الإقليمية الراهنة.
وهذا لا يعني نهاية طموحات الجنوبيين، لكنه يضعها ضمن مسار أكثر تدرجاً وأقل صخباً.
سيناريوهات مستقبل الجنوب
تشير المعطيات إلى أن المرحلة الحالية تتجه نحو نموذج يقوم على “مناطق نفوذ” أكثر مما يقوم على “حدود دول”. وفي هذا السياق، قد يتبلور وضع جديد يقوم على:
إدارة مستقرة لحضرموت والمهرة تحت مظلة تفاهمات سعودية واضحة.
وضع خاص لعدن والمناطق المجاورة يراعي التوازن بين الأطراف المحلية والإقليمية.
واستمرار الشمال في صيغة منفصلة نسبياً، ريثما تتضح صورة التسوية مع الحوثيين.
هذا النموذج لا يتبنى بصورة مباشرة قيام دولة جنوبية، لكنه في الوقت نفسه لا يغلق الباب أمام أي تطور مستقبلي إذا ما تهيأت الظروف الإقليمية والدولية.
وخلاصة القول إن ما يجري في الجنوب اليوم ليس حدثاً منعزلاً، ولا انعطافاً نهائياً في مسار أي طرف، بل هو جزء من لحظة إعادة ترتيب واسعة تشمل المنطقة بأكملها. ومع أن هذه المرحلة قد تبدو ضبابية، إلا أنها تحمل فرصة لإعادة بناء مسار سياسي أكثر توازناً، شرط أن تُدار المرحلة بحكمة، وأن يُترك المجال للفاعلين المحليين للتكيف مع المتغيرات دون خسارة موقعهم في المستقبل.
الجنوب ما يزال رقماً صعباً في معادلة اليمن، والانتقالي ما يزال جزءاً أساسياً من هذه المعادلة، لكن ضمن قواعد جديدة بدأت تتشكل على وقع التحولات الإقليمية. وفي ظل هذه التعقيدات، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية هو مقاربة تقوم على التدرج والتفاهم، لا الصدام أو القفز إلى سيناريوهات نهائية قبل اكتمال ظروفها.