قراءة تحليلية: تحولات القوة في اليمن وتداعياتها على مستقبل الشرعية

December 22, 2025 تم النشر في
مقالات الرأي
...

بقلم: علي محمد باسمير
باحث وكاتب سياسي

مقدمة: السياق العام للتحول في الأزمة اليمنية
تتناول هذه القراءة التحليلية المنعطف الاستراتيجي الذي تشهده الأزمة اليمنية في أواخر عام 2025، في ظل تحولات متسارعة في موازين القوى على الأرض. وتركّز على تحليل أبعاد ودوافع التحركات العسكرية الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وتقييم وضع الحكومة الشرعية في ضوء هذه التطورات، إضافة إلى استشراف السيناريوهات المحتملة للمشهد اليمني على المديين القصير والمتوسط.

المحور الأول: فرض الأمر الواقع – الخلفيات والدوافع

لم تكن سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على كامل الجنوب حدثًا عسكريًا معزولًا، بل جاءت نتيجة لتراكمات سياسية واقتصادية وأمنية ممتدة. ويمكن إرجاع هذه التحولات إلى عاملين رئيسيين:

أ. الجمود العسكري وفشل معركة الحسم
أدى الإخفاق المستمر في تحقيق أي تقدم ملموس في جبهات القتال ضد جماعة الحوثي، ولا سيما في ملف تحرير العاصمة صنعاء، إلى تآكل مصداقية الخطاب العسكري للشرعية، وتحول الحرب إلى حالة استنزاف بلا أفق سياسي واضح.

ب. التدهور الاقتصادي وتآكل الحاضنة الشعبية
فشلت الحكومة الشرعية في تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية كان من شأنها تحسين الأوضاع المعيشية في المناطق المحررة، ما أدى إلى تصاعد السخط الشعبي. وقد استطاع المجلس الانتقالي توظيف هذا التراجع في الثقة لصالحه، سياسيًا وميدانيًا.

المحور الثاني: الشرعية بين خيارات محدودة وضغوط متزايدة

عقب سقوط المنطقة العسكرية الأولى ومغادرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، وجدت الشرعية نفسها أمام مأزق مركب تقلّصت فيه البدائل المتاحة:

أ. المأزق الداخلي وانسداد الخيارات
بات خيار المواجهة العسكرية مع المجلس الانتقالي شبه مستحيل في ظل اختلال ميزان القوى، في حين يمثل أي تقارب مع الحوثيين مخاطرة سياسية كبرى قد تُفقد الشرعية ما تبقى من رصيدها الداخلي.

ب. العزلة الخارجية وتراجع الدعم
على الصعيد الخارجي،

يلاحظ فتور واضح في الموقفين الإقليمي والدولي تجاه الشرعية بصيغتها الحالية، حيث لم تلقَ مناشدات قيادتها صدى فعّالًا، وهو ما يمكن تفسيره كقبول ضمني بالأمر الواقع الجديد.

المحور الثالث: المواقف الإقليمية والدولية – بين الصمت والقبول الضمني

جاءت ردود الفعل الإقليمية والدولية على تحركات المجلس الانتقالي أقل حدّة مما كان متوقعًا، ويمكن تفسير ذلك بعدة اعتبارات:

أ. فقدان الثقة في نموذج إدارة الشرعية
تزايدت الشكوك الدولية حول قدرة الشرعية على إدارة الملفين العسكري والاقتصادي بكفاءة، أو تقديم نموذج حكم مستقر في المناطق المحررة.

ب. الانتقالي كقوة أمر واقع في الحسابات الدولية

ينظر إلى المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه فاعلًا ميدانيًا قادرًا على ضبط الأمن في مناطق نفوذه، خصوصًا في الممرات المائية الحيوية مثل باب المندب، وهو عامل يحظى بأهمية استراتيجية في الحسابات الدولية.

ج. الإعلام المناهض وحدود التأثير
قد تكون بعض الحملات الإعلامية المناهضة للانتقالي مجرد محاولات لحفظ ماء الوجه لقوى سياسية متضررة، دون أن تعكس بالضرورة المواقف الحقيقية لصناع القرار الإقليميين والدوليين.

خاتمة واستنتاجات:

نحو مشهد سياسي بصيغ جديدة
تشير المعطيات الراهنة إلى أن اليمن يشهد عملية إعادة تشكيل عميقة لخارطة القوى، حيث تنتقل المبادرة تدريجيًا من الشرعية التقليدية إلى قوى الأمر الواقع. وبناءً على ذلك، فإن مستقبل الشرعية اليمنية سيظل مرهونًا بقدرتها على إعادة بناء الثقة مع الداخل والخارج، وهو أمر يبدو صعب المنال في ظل المعطيات الحالية. وعليه، فإن المشهد اليمني يتجه إما نحو تكريس الانقسام، أو نحو الدخول في مفاوضات شاملة بصيغ وشروط جديدة تفرضها موازين القوى على الأرض.