لماذا لم تتحرك أذرع إيران في المنطقة دفاعاً عن طهران؟

مركز المعرفة: عبد الله الشادلي
في أعقاب الهجوم الواسع الذي شنه التحالف الأمريكي–الإسرائيلي على إيران في فبراير الماضي، كان المتوقع أن تشهد المنطقة انخراطًا مباشرًا من أذرع إيران الإقليمية في ساحة الصراع. إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك، حيث لم تتحرك كل من جماعة الحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان بشكل يذكر على خط المواجهة المباشر ضد إسرائيل أو المصالح الأمريكية في المنطقة.
هذه المفارقة تطرح تساؤلات جدية حول استراتيجيات طهران، وقدرتها على توظيف أذرعها في ظل حرب مفتوحة، إلى جانب انعكاسات ذلك على التوازنات الإقليمية، خصوصًا في الخليج واليمن.
تكلفة الانخراط المباشر
الحسابات الإيرانية الراهنة تشير إلى أن الانخراط المباشر لأذرعها في المواجهة يحمل تكلفة عالية جدًا. بالنسبة للحوثيين، فإن الحرب المفتوحة مع التحالف العربي أو استهداف أهداف إسرائيلية خارج اليمن يضعهم في مواجهة مباشرة مع قدرات عسكرية تفوق إمكانياتهم بشكل واضح، خصوصًا بعد سنوات من الحرب المستمرة التي استنزفت الموارد والخبرات العسكرية.
علاوة على ذلك، فإن التفاهمات القائمة بين السعودية والحوثيين منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران برعاية صينية تلعب دورًا حاسمًا في تريث الجماعة عن اتخاذ أي خطوة تصعيدية. فالخطاب الأخير لعبد الملك الحوثي، الذي وصف الهجمات الإيرانية بأنها دفاع عن النفس، يعكس موقفًا سياسيًا يحاول الموازنة بين الولاء لطهران والحفاظ على المكاسب المحلية في اليمن، بما يشير إلى إدراك أن الانخراط الكامل في الصراع الإقليمي قد يهدد بقاء الجماعة على أرض الواقع.
هذه الديناميكية تتصل مباشرة بعلاقة الحوثيين بالنظام الإيراني، والتي تعتبر أكثر من مجرد دعم سياسي أو أيديولوجي؛ فهي تشمل بنية عسكرية متكاملة تتعلق بالتدريب ونقل المعرفة والتقنيات الصاروخية والطائرات المسيّرة. ومع ذلك، فإن الضربات الإسرائيلية–الأمريكية المباشرة على إيران أعادت تشكيل خرائط الردع، وأظهرت هشاشة مكونات القوة الإيرانية التقليدية، ما يقلل من قدرة طهران على توظيف أذرعها بشكل فوري وفعال.
في هذا السياق، يظل الحوثيون مرتبطين بالحسابات الإيرانية، لكنهم يعتمدون أيضًا على استراتيجيات داخلية قائمة على الحفاظ على قدراتهم الذاتية والابتعاد عن التورط المباشر في مواجهة مع خصوم يمتلكون تفوقًا عسكريًا ساحقًا، وهو ما يعكس عقلانية متزايدة في إدارة المخاطر من جانب الجماعة.
أما الحشد الشعبي في العراق، فهو يواجه بدوره قيودًا سياسية ووطنية تجعل من الصعب عليه المشاركة بشكل مباشر في مواجهة إسرائيل أو العمليات العسكرية على الأراضي الإيرانية. فالحشد مرتبط بالسلطة العراقية، التي تسعى إلى توازن بين علاقاتها مع طهران والضغط الأمريكي على بغداد. وأي تحرك عسكري مباشر سيكون مكلفًا سياسيًا بدرجة كبيرة، وقد يؤدي إلى ردود فعل داخلية وخارجية، بما في ذلك احتمالية تعرض القوات العراقية لاستهداف أمريكي أو إسرائيلي، وهو ما يحد من قدرة إيران على توظيف الحشد بشكل فوري.
في لبنان، يظهر حزب الله موقفًا مشابهًا. فقد حافظ الحزب على خطاب داعم لطهران، لكنه امتنع عن الانخراط المباشر في هجوم على إسرائيل، في ظل تقديرات بأن أي خطوة من هذا النوع ستواجه ردًا عسكريًا قاسيًا، وستعيد لبنان إلى دائرة الصراع المفتوح مع إسرائيل بعد سنوات من التهدئة النسبيّة. كما أن لبنان يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، تجعل أي انخراط عسكري متوسع مكلفًا للغاية داخليًا، ويزيد من الضغط على حزب الله سياسيًا وشعبيًا.
تريث أذرع إيران
يمكن فهم تريث أذرع إيران على أنه جزء من استراتيجية أوسع تعتمد على استخدام القوى التابعة كأدوات للضغط والمساومة، وليس بالضرورة كمقاتلين مباشرَين في الحرب المفتوحة. فالحوثيون، على سبيل المثال، يركزون على تعزيز موقعهم المحلي في اليمن، وإدارة العلاقات مع السعودية بشكل يضمن استقرار مناطقهم مع الحفاظ على القدرة على المناورة في المستقبل. التحولات في جنوب اليمن، بما في ذلك سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة، تجعل الحوثيين أكثر حذرًا من الانخراط في صراعات إضافية قد تهدد توازنهم المحلي، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا للارتباط بين السياسة الإقليمية والمكاسب المحلية.
من الناحية الاستراتيجية، فإن صمت أذرع إيران حتى الآن يعكس أيضًا إعادة تعريف قواعد الاشتباك في المنطقة بعد التصعيد الأخير. فالهجمات الإيرانية على الإمارات والكويت، والتي كانت أكثر وضوحًا في الإمارات، شكلت اختبارًا لقدرة إيران على الرد خارج حدودها، بينما أبقت أذرعها المحلية في وضع دفاعي وحذر.
ويشير تحليل نشرته صحيفة "أتالايار" إلى أن الحوثيين ربما يمتنعون عن الهجوم على أهداف خليجية إلا إذا تغيرت خريطة التفاهمات، وهو ما يعكس إدراكهم للمخاطر السياسية والعسكرية، بالإضافة إلى احتمالية وجود اتفاقات سرية مع السعودية تحد من دورهم المباشر.
التداعيات على الخليج واليمن واضحة من زاوية أمنية واستراتيجية. فإمكانية انخراط الحوثيين أو أي طرف من أذرع إيران في صراع مفتوح ستعيد خلط خرائط القوة في مضيق هرمز وباب المندب، وترفع كلفة حماية الممرات البحرية الاستراتيجية، بما في ذلك استهداف السفن التجارية والطاقة. وفي ظل الوضع الراهن، فإن الحوثيين يركزون على إدارة قدرتهم الذاتية ومواءمة مواقفهم مع التفاهمات الإقليمية، ما يمنع تحوّل اليمن مرة أخرى إلى ساحة مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل، ويحافظ على حد من الاستقرار النسبي في الجنوب، رغم كل التوترات المحلية.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن صمت أذرع إيران الإقليمية ليس دليلًا على ضعف الولاء أو نقص في القدرات، بل هو انعكاس لحسابات دقيقة بين التوازنات الإقليمية والمحلية، والقدرة على إدارة المخاطر. الحوثيون، على سبيل المثال، يدركون أن أي خطوة تصعيدية قد تعرضهم لمواجهة مباشرة مع تحالف يمتلك تفوقًا عسكريًا ساحقًا، وأن الحفاظ على المكاسب المحلية ومواصلة التفاوض مع السعودية يشكل الخيار الأكثر عقلانية في المرحلة الحالية. وفي حال استمرت الحرب المفتوحة بين إيران والتحالف الأمريكي–الإسرائيلي، فإن دور هذه الأذرع سيظل مرتبطًا بالحسابات الاستراتيجية، وقد يتغير وفق تطورات الصراع، لكنه على الأرجح سيبقى متدرجًا وحذرًا، مع مراعاة التوازنات السياسية المحلية والدولية.
عبد الله الشادلي
صحفي وباحث في الشأن السياسي اليمني