اليمن: الدولة قبل التسوي

February 27, 2026 تم النشر في
مقالات الرأي
...


خلال سنوات الحرب انشغل الخطاب السياسي بمحاولات استعادة الدولة: إعادة الحكومة، توحيد المؤسسات، تثبيت الشرعية. لكن التجربة كشفت أن ما فُقد لم يكن شكل الدولة بقدر ما كان معناها.
فالسلطات تعددت، والاعتراف الدولي استمر، ومراكز القوة اتسعت، ومع ذلك تآكل انتظام الدولة. لم تختفِ المؤسسات تمامًا، لكنها أصبحت مجزأة ومتقطعة؛ تُنجز الخدمة أحيانًا كاستثناء لا كقاعدة، ويتعامل معها الناس بوصفها ظرفًا لا مرجعية. عند هذه النقطة لا تكون الأزمة غياب حاكم، بل غياب قابلية الحكم نفسها.
وهنا يظهر بعدٌ آخر للمشكلة: الدولة ليست اتفاقًا نظريًا بل ممارسة يومية، ولا يمكن أن تُمارس في الفراغ. فكل إدارة تحتاج حيّزًا مستقرًا يمكن فيه توحيد القاعدة القانونية، وانتظام المالية، وإمكان التنبؤ بالسلوك المؤسسي. لذلك فإن البحث عن الحل لا يبدأ بتحديد من يسيطر، بل بتحديد أين يمكن أن تعمل السلطة بوصفها دولة لا كتوازن قوى مؤقت. المكان هنا ليس هدفًا جغرافيًا ولا بديلًا سياسيًا، بل المنصة التي تتحول عليها السلطة من تفاوض إلى إدارة — ومن دونها تبقى أي تسوية تقاسمًا للنفوذ فوق مجتمع بلا إطار منظم.
الدولة، قبل أن تكون دستورًا أو علمًا أو تمثيلًا خارجيًا، هي قدرة مستمرة على إدارة الحياة العامة، وعندما لا يعود أي موقع جغرافي قادرًا على أداء هذه الوظيفة، تتحول الدولة إلى فكرة سياسية بلا وجود إداري، ويصبح النزاع حولها صراعًا على رمز لا على مؤسسة.
صنعاء امتلكت السيطرة لكنها فقدت القابلية الوطنية؛ وعدن احتفظت بالاعتراف لكنها عجزت عن إنتاج انتظام إداري مستقر.
بين مركز قادر على فرض الواقع دون دمجه، وآخر قادر على تمثيل الدولة دون تشغيلها، نشأ فراغ سيادي شامل. لم يعد اليمن يُدار، بل يُحتوى. وأصبح ملفًا أمنيًا إقليميًا بدل أن يبقى كيانًا سياسيًا.
هنا يتغير تعريف الأزمة جذريًا. ليست المسألة حربًا على السلطة بقدر ما هي غياب لوظيفة الدولة ذاتها. فمشروع الدولة لا يبدأ بالسيطرة على العاصمة، بل بإنتاج الخدمة العامة وتشغيلها.
ما يهزم الدولة ليس الخصم، بل فقدان القدرة على إنتاج النظام، عند تلك اللحظة يفقد الناس اليقين المؤسسي، ويتحول الاقتصاد إلى ترتيبات خاصة، وينظّم المجتمع نفسه خارج إطار الدولة لا تمردًا عليها، بل لأن الدولة لم تعد الإطار الأكثر قدرة على ضمان الاستقرار. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس من يحكم، بل أين يمكن إعادة تشغيل الوظيفة العامة.
لماذا لا تستطيع صنعاء ولا عدن أن تكونا مركزًا جامعًا اليوم؟
المعضلة اليمنية ليست مجرد تعدد سلطات، بل تعدد مراكز ذاكرة، فالمدن التي كانت يومًا عواصم لم تعد مواقع إدارة فقط، بل أصبحت تمثل سرديات سياسية متصارعة، وكل سردية ترى الدولة امتدادًا لها لا إطارًا يحتضن الجميع.
في صنعاء، ارتبطت السلطة خلال سنوات الحرب بهوية سياسية وعسكرية محددة، بحيث لم تعد تُرى كمؤسسة وطنية محايدة بل كجهاز يعكس انتصار طرف، وحتى لو امتلكت القدرة على الضبط، فإنها فقدت شرط القبول العام؛ أي القدرة على أن يشعر المختلف معها أنه جزء من الدولة لا تابع لها.
أما عدن، فرغم احتفاظها بالصفة القانونية للعاصمة، فقد دخلت بدورها في مسار استقطاب مضاد، أصبحت بالنسبة لقطاعات واسعة رمزًا لمعسكر سياسي مقابل آخر، لا نقطة التقاء بينهما. ومع تراكم الصراعات المحلية والتاريخية، بات وجود السلطة فيها محل تفاوض دائم، ما جعلها عاجزة عن إنتاج انتظام إداري مستقر يمكن أن يعتمد عليه اليمن كله.
هنا تظهر مفارقة لافتة: كلا المدينتين قادرتان على أن تكونا مركز سلطة، لكنهما لم تعودا قادرتين على أن تكونا مركز دولة.
فالمركز الوطني لا يُقاس بالسيطرة ولا بالاعتراف، بل بقدرة المختلفين على العيش تحته دون شعور بالهزيمة. وعندما تصبح الجغرافيا نفسها جزءًا من النزاع، تفقد تلقائيًا صلاحيتها كحاضنة جامعة مهما كانت أهميتها التاريخية.
لذلك فإن البحث عن نقطة تشغيل جديدة ليس تجاوزًا للعواصم السابقة، بل محاولة للخروج من ثقل الذاكرة السياسية التي تمنع أيًا منهما من استيعاب اليمن بكامله. المطلوب ليس مدينة أقوى، بل مدينة أقل استفزازًا — مكان لا يُنظر إليه كغنيمة لأحد ولا كخسارة لآخر.
الافتراض السائد في أغلب المبادرات اليمنية يقول:
يجب أولًا إنهاء الحرب، ثم تعود الدولة.
لكن التجربة الممتدة منذ عقد تقريبًا أظهرت العكس: الحرب تطول لأن الدولة غائبة، لا الدولة غائبة لأن الحرب لم تنتهِ، أي أن انتظار التسوية الشاملة لإعادة تشغيل المؤسسات يشبه الإصرار على فتح المطار الرئيسي المتعطل رغم وجود مدرج صالح في مدينة أخرى؛ فالرحلات لا تنتظر انتهاء الخلافات، بل تهبط حيث يمكنها الهبوط، ومن هناك يُعاد تنظيم الحركة الجوية كلها.
من هنا يظهر تصور مختلف: يمكن أن تبدأ الدولة قبل أن تنتهي الحرب، إذا وُجد مكان قادر على ممارسة وظائفها فعليًا، ليس عاصمة جديدة، ولا سلطة بديلة، بل نقطة تشغيل.
طرح مدينة بعينها كنقطة بدء لا يعني ضرورة إعلان عاصمة جديدة للدولة آنيًا، بل اختيار البيئة الأقل كلفة لتشغيل وظيفة مركز الدولة.
في اليمن اليوم معظم المناطق تستهلك طاقة السلطة في البقاء الأمني؛ أي أن الجهد الإداري يُستنزف قبل أن يبدأ. أما البيئات التي تمتلك قدرًا من السلم الأهلي والاستقرار النسبي فتمتلك ميزة نادرة: يمكن استثمار السلطة فيها في الإدارة بدل الحماية.
وحين ترتبط التجارة، والمعاملات، والسفر، والخدمات بنقطة واحدة مستقرة نسبيًا، يبدأ الناس — ثم المؤسسات — بالتعامل معها كمركز فعلي دون أن تحتاج إلى إعلان سياسي. عندها ينتقل ثقل الدولة من الشعار إلى الواقع.
كيف يولد المركز دون أن ينافس أحدًا؟
المشكلة أن أي حديث عن مركز جديد يُفهم فورًا كسلطة بديلة، بينما الواقع أن الدولة يمكن أن تتموضع حيث تستطيع أن تعمل دون أن تعلن انتقالها. البداية ليست إنشاء حكومة أخرى، بل تشغيل الوظيفة العامة: إدارة تُنجز معاملات الناس، مالية تنتظم لأنها ضرورة يومية، وقضاء يحمي التعاقد والسوق. مع الوقت تبحث المنظمات والشركات والبعثات عن الموقع الأكثر قابلية لإنجاز العمل، فتعمل منه بحكم الحاجة لا القرار، ويتكوّن المركز تدريجيًا عبر الاعتماد عليه لا عبر إعلان سياسي. وعندما تصبح المعاملة لا تُنجز إلا هناك يتحول التعامل معه إلى أمر واقع حتى لمن يختلف معه. غير أن هذا الاستقرار لا يحميه الأمن وحده؛ فالمنح تصنع هدنة مؤقتة لا مركزًا دائمًا، ما يثبّته ويوطّده هو المصالح؛ التاجر يتمسك به لأنه يحتاجه، والعامل يعتمد عليه لأنه مصدر رزقه، والإقليم يفضله لأنه يقلل المخاطر. عندها يتحول الأمن من عبء سياسي إلى أصل اقتصادي، وتسبق الثقة المالية الاعتراف السياسي، فيضطر الفاعلون إلى الإقرار بمركز تشكّل فعليًا قبل أن يُعلن.
من استعادة الدولة إلى استعادة المعنى
لم تعد الأزمة اليمنية صراعًا على من يحكم، بل على أين يمكن تشغيل الدولة. فقد أثبت الواقع أن الشرعية قد تستمر بلا إدارة، وأن السيطرة قد تقوم بلا اندماج، وأن العاصمة قد تبقى عنوانًا بينما تغيب الدولة من حياة الناس. لذلك لا يبدأ الحل بتسوية شاملة تفترض وجود مركز جاهز، بل بظهور موضع يمكن فيه تشغيل الوظيفة العامة دون أن يُفهم كانتصار طرف. حين تصبح المعاملات والاقتصاد والمصالح تمر عبر مكان واحد، يسبق الاعتماد الاعتراف، وتلحق السياسة بالواقع.
الطريق العملي إذن قاعدتان: اختيار بيئة أقل استقطابًا كنقطة بدء، وبناء الاستقرار على مصالح دائمة لا توازنات مؤقتة. هناك يتكوّن المركز قبل أن يُعلن، وتعود الدولة لأن الجميع يحتاجها لا لأن أحدًا فرضها.

محمد باحكم