التعليم والمعلم: أساس بناء الإنسان وصناعة المستقبل

July 14, 2026 تم النشر في
مقالات الرأي
...

✍🏻 م.ظافر الجابري

يُروى أن رجلاً أراد بناء بيتٍ لأبنائه فأنفق المال على الجدران والأبواب والزخارف وحرص أن يكون البيت جميلاً يلفت الأنظار لكن عندما جاء وقت بناء الأساس حاول التوفير والتقليل من الاهتمام به مرت السنوات وبدأت الجدران تتشقق ثم أخذ البناء يضعف شيئاً فشيئاً عندها أدرك أن قوة البيت لا تكمن فيما يراه الناس من الخارج بل في الأساس الذي يقوم عليه.

وهكذا هي الأوطان فأساسها الحقيقي ليس المباني ولا الطرقات ولا الثروات وإنما الإنسان وأساس بناء الإنسان هو التعليم وروح التعليم وقلبه النابض هو المعلم.

لقد أثبتت تجارب الأمم أن التعليم هو الطريق الأقصر نحو النهضة والتقدم فاليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة و مدنها ركام واقتصادها منهار لكنها لم تستسلم لليأس أدركت أن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر فاستثمرت في التعليم والبحث العلمي واحترام المعلم حتى أصبحت واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم.

وكوريا الجنوبية كانت قبل عقود قليلة من أفقر دول العالم تعاني آثار الحرب وقلة الموارد لكنها وضعت التعليم في مقدمة أولوياتها وربطت مخرجاته باحتياجات التنمية والصناعة فانتقلت من دولة تعتمد على المساعدات إلى دولة تنافس كبرى الاقتصادات العالمية.

أما سنغافورة فلم تكن تمتلك نفطاً ولا ثروات طبيعية كبيرة لكنها امتلكت رؤية واضحة بأن الإنسان المتعلم هو الثروة الحقيقية فاستثمرت في المدارس والجامعات وتأهيل الكفاءات لتصبح اليوم واحدة من أنجح التجارب التنموية في العالم.

وفي فنلندا أدرك المجتمع أن جودة التعليم تبدأ من جودة المعلم فرفعوا مكانته الاجتماعية واهتموا بتأهيله وتوفير الحياة الكريمة له فكان الناتج نظاماً تعليمياً يُضرب به المثل عالمياً.

هذه الدول لم تصنع المعجزات بل فهمت حقيقة بسيطة مفادها أن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأكثر ربحاً واستدامة وأن بناء الإنسان هو الطريق إلى بناء الدولة.

لكن عندما ننظر إلى واقعنا نجد أن المعلم الذي يحمل على عاتقه مسؤولية إعداد الأجيال وصناعة المستقبل يواجه ظروفاً معيشية صعبة وتحديات كبيرة والمؤلم أن من يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والضابط والوزير أصبح أحياناً عاجزاً عن توفير أبسط متطلبات الحياة لأسرته.

وليس المقصود من ذلك التقليل من أهمية أي مهنة أخرى فالجندي الذي يحمي الوطن ورجل الأمن الذي يحفظ الاستقرار يؤديان رسالة عظيمة لا تقل شرفاً عن رسالة المعلم لكن من المؤسف أن نجد في كثير من الأحيان أن الجندي يتقاضى أضعاف ما يتقاضاه المعلم رغم أن المعلم هو الذي أسهم في صناعة الجميع وتعليمهم فكيف يمكن أن نطالب المعلم ببناء الأجيال بينما نعجز عن توفير حياة كريمة له؟

إن الأمم التي سبقتنا لم ترفع المعلم بالشعارات والخطب فقط بل رفعته بالمكانة والاحترام والدعم الحقيقي لأنها أدركت أن المدرسة القوية تبدأ بمعلم قوي وأن مستقبل الوطن يبدأ من الفصل الدراسي.

واليوم وفي ظل ما تعانيه بلادنا من تحديات اقتصادية واجتماعية وما نشهده من بطالة وهجرة للكفاءات وتراجع في مستوى التعليم تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار للمعلم والتعليم باعتبارهما قضية وطنية لا تخص وزارة أو مؤسسة بعينها بل تخص مستقبل المجتمع كله.

فإذا أردنا وطناً مزدهراً واقتصاداً قوياً وشباباً قادراً على المنافسة والإبداع فعلينا أن نبدأ من المدرسة وأن نمنح المعلم المكانة التي يستحقها لأن الأمم لا تُبنى بالمال وحده ولا بالقوة وحدها بل بالعلم والمعرفة.

ويبقى التعليم أساس بناء الإنسان ويبقى المعلم صانع الأجيال وحامل مشعل النور ومن بين يديه يُصنع المستقبل وتنهض الأوطان.