الموقف السعودي في اليمن (2015–2025) من استعادة الشرعية إلى هندسة الواقعية السياسيةقراءة في التحول الاستراتيجي للمقاربة السعودية

December 29, 2025 تم النشر في
مقالات الرأي
...


بقلم:- علي باسمير
كاتب وباحث سياسي
بعد عقدٍ كامل على انطلاق التدخل العسكري في اليمن في مارس 2015 تحت مسمى «عاصفة الحزم»، يبدو المشهد اليمني أبعد ما يكون عن الهدف الأولي المعلن والمتمثل في استعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب الحوثي. فقد فرضت الوقائع الميدانية وتعقيدات البنية السياسية والاجتماعية اليمنية تحولًا عميقًا في الاستراتيجية السعودية، من تدخل مباشر يستند إلى الشرعية الدولية، إلى إدارة براغماتية للصراع، وصولًا إلى مرحلة يمكن توصيفها بـ «هندسة الواقعية السياسية» التي تعكس موازين القوى الحقيقية على الأرض.
هذه القراءة تحاول تتبع هذا التحول، وفهم منطلقاته، وحدوده، وتداعياته المستقبلية.
أولًا: حتمية التدخل وأزمة الأداء (2015–2018)
انطلق التدخل العسكري للتحالف العربي مدفوعًا بهاجسين رئيسيين:
الأول، الأمن القومي السعودي المهدد بسيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على الحدود الجنوبية للمملكة.
والثاني، الغطاء السياسي والقانوني الذي وفرته الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
كان الهدف المعلن واضحًا: هزيمة الحوثيين وإعادة حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى صنعاء. ورغم النجاحات الأولية، لا سيما تحرير عدن وأجزاء واسعة من الجنوب، إلا أن هذا الزخم سرعان ما تراجع. إذ تحولت “الشرعية” من أداة للحسم إلى عبء سياسي وعسكري، نتيجة الانقسامات الداخلية، والفساد، وضعف الأداء الميداني.
أدى هذا الفشل إلى حالة جمود عسكري، سمحت للحوثيين بإعادة ترتيب صفوفهم والتمدد في محافظات استراتيجية، وخلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا في المناطق المحررة، فتح الباب أمام تباين الأجندات داخل المعسكر المناهض للحوثي نفسه.
ثانيًا: ولادة الأمر الواقع وصعود المجلس الانتقالي الجنوبي (2018–2021)
في ظل هذا الفراغ، برز المجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل سياسي وعسكري محوري. لم يكن الانتقالي مجرد مكون سياسي، بل قوة ميدانية أثبتت فاعليتها في إدارة الملفين الأمني والعسكري في الجنوب، ومحاربة التنظيمات المتطرفة.
هذه الفاعلية منحته شرعية الأمر الواقع التي افتقرت إليها الحكومة الرسمية. وبلغت التوترات ذروتها في أحداث عدن في أغسطس 2019، عندما سيطر الانتقالي على العاصمة المؤقتة.
أمام هذا التحول، اختارت الرياض التكيّف بدل المواجهة، فرعت اتفاق الرياض كأول محاولة جدية لهندسة الواقع الجديد، عبر احتواء قوة الانتقالي ودمجها ضمن الإطار الرسمي للسلطة، مع الحفاظ الشكلي على مظلة الشرعية. ورغم تعثر تنفيذ الاتفاق، إلا أنه شكّل اعترافًا سعوديًا ضمنيًا بأن خريطة الفاعلين تغيّرت.
ثالثًا: هندسة الواقعية السياسية وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي (2022–الآن)
مثّل أبريل 2022 نقطة التحول الأبرز في الاستراتيجية السعودية، مع إعلان نقل السلطة من الرئيس هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي. لم يكن هذا الإجراء تغييرًا شكليًا، بل إعادة هيكلة للسلطة تعكس موازين القوى الفعلية على الأرض.
منح رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، منصب نائب رئيس مجلس القيادة، أضفى طابعًا مؤسسيًا على قوة الانتقالي، وحوّله من فاعل خارج إطار الشرعية إلى شريك رسمي في صناعة القرار.
هذه الخطوة عكست مقاربة سعودية جديدة، تهدف إلى:
توحيد الجبهة المناهضة للحوثي ضمن قيادة أكثر واقعية.
إضفاء الشرعية على الفاعلين الحقيقيين على الأرض.
خلق إطار سياسي جديد لإدارة الصراع والتفاوض حول تسوية مستقبلية.
رابعًا: ما بعد 2025… إدارة التوازنات الدقيقة
بحلول عام 2025، ومع بسط المجلس الانتقالي نفوذه على معظم المحافظات الجنوبية، يبرز تحدٍ استراتيجي يتمثل في إدارة طموحاته في المحافظات ذات الحساسية الخاصة للسعودية، مثل حضرموت والمهرة.
تدرك الرياض أن الانتقالي يمثل القوة العسكرية والأمنية الأبرز في الجنوب، لكنها في الوقت ذاته لن تسمح بفرض أمر واقع أحادي في مناطق تمثل عمقًا استراتيجيًا وأمنيًا مباشرًا للمملكة. لذلك، يرتكز الموقف السعودي الحالي على إدارة التوازن داخل مجلس القيادة الرئاسي، لا ترجيح طرف على حساب آخر.
الرسالة السعودية تبدو واضحة:
الشراكة مكفولة، لكن ضمن قواعد اللعبة الجديدة، لا خارجها.
خاتمة
لقد تطورت الاستراتيجية السعودية في اليمن من مقاربة مثالية تراهن على الحسم السريع، إلى واقعية سياسية تُدير تعقيدات المشهد بدل إنكارها. أدركت الرياض أن حماية مصالحها الأمنية لا تتحقق عبر التمسك بهياكل سياسية ضعيفة، بل من خلال الاعتراف بالقوى الفاعلة على الأرض، وهندسة إطار سياسي قادر على استيعابها وتوجيهها.
إن تجربة اليمن تمثل درسًا إقليميًا في التكيف الاستراتيجي، حيث تُجبر حقائق الميدان الفاعلين الكبار على التخلي عن السرديات الكبرى، لصالح إدارة براغماتية لما هو ممكن.