“الصراع في حضرموت بين المجالس و إعلان الدول “

كتبته / أروى عبود باضاوي 4 يناير 2026م
مقدمة:
إن الصراع في اليمن بعد 2015 م كشف عن تشابك مصالح دولية وإقليمية، وتحولات محلية عميقة، وظهور كيانات جديدة طرحت مشاريع سياسية كبرى مثل إعلان دول مستقلة , وبُنِي هذا الصراع وفق 3 مراحل بدءاً بالقوى الدولية الكبرى مرورا بالأدوات الإقليمية وصولاً إلى الأذرع المحلية .
هناك قائمة بالدول العظمى التي أسهمت في تأجيج الصراع في اليمن و بدرجات متفاوتة .
تأتي الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى ,دعمت التحالف العربي بقيادة السعودية لاحتواء النفوذ الإيراني عبر جماعة أنصار الله , ثم قدمت دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا ومبيعات سلاح للتحالف.
كانت مصلحتها من هذا التدخل محاربة الإرهاب والتهديدات التي قد تنال من خط الملاحة الدولية منها حماية الملاحة في باب المندب و البحر الأحمر, و القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، و ناهيك عن التهديدات التي قد تنال من مدللتها إسرائيل ،و احتواء إيران و إنهاء المد الإيراني في الشرق الأوسط.
-أما المملكة المتحدة و فرنسا تأتيان في الدرجة الثانية فقد دعمتا التحالف أيضًا عبر السلاح والمواقف السياسية في مجلس الأمن, فمصالحهما مرتبطة بالاستثمارات العسكرية والمصالح الجيوسياسية في البحر الأحمر.
رغم أن المملكة المتحدة "بريطانيا" كانت يوما استعمارا في جنوب اليمن وتم الاستقلال عنها إلا أنها لم تترك اليمن يوما، فهي مطلعة على تعقيدات النسيج الاجتماعي و السياسي وحتى الجغرافي في جنوب اليمن، لها دور دبلوماسي في اليمن و حيث سعت لتثبيت قرارات للحلول السياسية والخدمة في اليمن ودعمها بالمساعدات الإنسانية ناهيك عن بيع الأسلحة لدول التحالف ( الإمارات و السعودية)، لكنها دعمت الإمارات بصورة مباشرة وخلقت علاقات اقتصادية عسكرية وثيقة معها ويعود ذلك الى الشراكة الاستراتيجية بينهما،
-بالدرجة الثالثة تأتي روسيا التي اتخذت موقفًا براغماتيًا، لم تعارض الحوثيين بشكل مباشر، و لكنها تهدف للحفاظ على نفوذها في الجنوب عبر علاقات غير مباشرة.
و يأتي ترتيب الصين بالدرجة الرابعة , مهتمة أكثر بمبادرة "الحزام والطريق" – مشروع القرن الاقتصادي التي تبنتها الصين و مضى بها رئيسها شي جين بينغ، ولها اهتمام استراتيجي بمضيق باب المندب لكنها لم تتدخل سياسيًا بشكل كبير أو واضح.
المرحلة الثانية وجود القوى الإقليمية التي تُعد أدوات للقوى العظمى
-المملكة العربية السعودية بدأت تقود التحالف العربي منذ 2015 تحت مبرر دعم الشرعية, وتهدف للحد من النفوذ الإيراني و إنهاء مده في شبه الجزيرة العربية ، لكن تدخلها خلق تصدعات داخل الشرعية نفسها.
كما يوجد تخبط واضح في قراراتها و خططها العسكرية , والتي تسبب في عدم قدرتها على الوصول إلى تحقيق هدفها في اليمن ويفسر ذلك اختيارها الخاطئ للذراع المحلية أو فهم مآربه , و جاء فهم السعودية للسياق اليمني متأخراً وكذا أهمية بناء نفوذ عسكري مباشر في اليمن و تفادت ذلك عبر بناء قوات درع الوطن وإن جاء متأخرا قليلا .
-دولة الإمارات العربية المتحدة التي تُعد الأكثر نضوجاً سياسيا و عسكريا في اليمن, و فهمت السياق اليمني، ولربما يعود ذلك الشراكة الاستراتيجية بينها وبين بريطانيا واحتفظ الأخيرة بعلاقات جيدة مع مكونات سياسية جنوبية ناهيك عن خطوط التواصل مع أطراف في الجنوب في سياق مراقبة النفوذ الإقليمي و مصالح الملاحة, و عليه بعد أن انضمت إلى التحالف ركزت مبكراً على بناء نفوذ مباشر في الجنوب، خصوصًا عبر المجلس الانتقالي الجنوبي, و دعمت التشكيلات الأمنية (النخب و الأحزمة) بعكس الجانب السعودي ، وسيطرت على موانئ حيوية و مهمة داخل الجنوب مما أسهم في استقرار نشاط الملاحة و الاقتصاد لديها.
- تأتي قطر وتركيا (بدرجة أقل) دعمتا تيارات إسلامية وبعض المكونات المعارضة للإمارات والسعودية.
وهنا نأتي إلى تشكيل الأذرع السياسية و المجالس السياسية التي نشأت بعد الحرب
المجلس الانتقالي الجنوبي (11 مايو 2017م ) مدعوم إماراتيًا, يطالب باستعادة الدولة وعودة دولة الجنوب العربي ما قبل 1990.أنشأ إدارات ذاتية في بعض المحافظات.
مجلس القيادة الرئاسي (2022), أُعلن في الرياض لتمثيل الشرعية بتركيبة تضم الانتقالي وقوى من شمال و جنوب اليمن , ويعكس التوازن بين السعودية والإمارات.
مجلس حضرموت الوطني تأسس في الـ 20 يونيو 2023م في الرياض ، تنضوي تحته العديد من المكونات السياسية الحضرمية منها ( مؤتمر حضرموت الجامع – حلف قبائل حضرموت – العصبة الحضرمية – مرجعية قبائل الواني و الصحراء - مرجعية قبائل الهضبة والساحل – الهبة الحضرمية العيون)
الإعلانات السياسية في حضرموت
- إعلان دولة الجنوب العربي ,متكرر عبر خطاب المجلس الانتقالي, يُعتبر حضرموت جزءًا منه.
- مشاريع "دولة حضرموت" ظهرت عبر مكونات حضرمية كمؤتمر حضرموت الجامع" وحلف حضرموت, تطالب هذه المشاريع باستقلالية القرار والموارد وإقامة إقليم أو كيان مستقل لحضرموت. لو نأتي إلى المرحلة الراهنة ستجد أن
مجلس حضرموت الوطني هو الأكثر حضورا على الساحة الحضرمية و يتمثل ذلك في عدة نقاط:
أولًا: التوجهات السياسية لمجلس حضرموت الوطني
- التمثيل الحضرمي المستقل ويقدّم المجلس نفسه ككيان حضرمي جامع يسعى إلى تمثيل حضرموت سياسيًا داخل أي تسوية وطنية قادمة، بمعزل عن التبعية لأي طرف جنوبي أو شمالي.
- الانفكاك عن الاستقطابات و هنا يحاول المجلس النأي بنفسه عن الاستقطاب بين المجلس الانتقالي الجنوبي والشرعية اليمنية، وإن كان مدعومًا من الرياض، مما يضعه ضمن الرؤية السعودية لترتيب الأوضاع.
- إقليم حضرموت أو كيان مستقل فالتوجه العام يؤيد إقامة "إقليم حضرموت" وفق مخرجات الحوار الوطني، مع قدر واسع من الإدارة الذاتية للموارد والأمن.
ثانيًا: القاعدة الشعبية للمجلس
- المجلس لا يحظى بعد بقاعدة شعبية واسعة أو متماسكة، خاصة في ظل تعدد القوى والمكونات الحضرمية (مثل حلف حضرموت، مؤتمر حضرموت الجامع، الانتقالي الجنوبي، والمكونات الشبابية والمناطقية).
لكنه يسعى إلى بناء شرعية شعبية عبر: - حضور في وادي وساحل حضرموت و تحالفات مع النخب المجتمعية , مع تبني خطاب يدغدغ تطلعات أبناء حضرموت في إدارة ثرواتهم وأمنهم.
ثالثًا: مشاريعه المستقبلية المتوقعة
- تعزيز التمثيل السياسي الحضرمي في المفاوضات الإقليمية والدولية.
- دعم تشكيل قوة حضرمية موحدة لإدارة الملف الأمني في الساحل والوادي.
المطالبة بإدارة حضرمية مستقلة للموارد الطبيعية، خاصة النفط والمعادن والموانئ. - الانخراط في العملية التعليمية والتنموية عبر شراكات محلية وخارجية.
- إيجاد توازن بين النفوذ السعودي والإماراتي بما يخدم مصالح حضرموت.
- تهيئة الرأي العام نحو الحكم الذاتي أو الدولة المحلية ضمن صيغة يمن اتحادي أو ترتيب جديد إذا تغير المشهد الوطني.
خامسًا: نتائج المراقبة بعد هذه الإعلانات في حضرموت
- انقسام سياسي ومناطقي بين مؤيد للجنوب العربي وآخر لحضرموت المستقلة.
- تشكيلات أمنية متداخلة بين قوات النخبة والمكونات الأمنية الحكومية.
- حراك شعبي متصاعد يدعو لتقرير مصير حضرموت بعيدًا عن صراعات الشمال والجنوب.
تسابق إقليمي على النفوذ في المكلا والموانئ.
نأتي هنا لسؤال مهم لدى البعض و هو، هل لإسرائيل تدخلات في الجنوب و حضرموت؟
لم تُعلن إسرائيل تدخلها بشكل مباشر في اليمن , و لكن تطبيع بعض دول الخليج معها يربطها استراتيجيًا بالتحالفات الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب. و الحديث عن دور إسرائيلي في الجنوب يأتي غالبًا من مصادر إعلامية غير رسمية أو ضمن اتهامات سياسية، لكنه غير مثبت رسميًا حتى الآن.
ختاما
الصراع في اليمن لم يعد داخليًا فحسب، بل أصبح ساحة لصراعات القوى الكبرى والإقليمية، وحضرموت باتت جزءًا مهمًا في معادلة تقاسم النفوذ، وسط حراك شعبي يبحث عن مستقبل بعيد عن الاستقطابات، بين مشروع الجنوب العربي، ومشروع حضرموت المستقلة، في ظل استمرار التنافس السعودي-الإماراتي، وتزايد التحديات الاقتصادية والسياسية.
فمجلس حضرموت الوطني يمثل محاولة سعودية لتعزيز نفوذها في حضرموت وقطع الطريق على أي سيطرة للمجلس الانتقالي أو النفوذ الحوثي و هنا نستطيع الجزم بأن مجلس حضرموت الوطني قد أصبح خصماً قوياً أمام المجلس الانتقالي الجنوبي داخل حضرموت و هذا الأمر عزز الانقسام الداخلي فيها , وقد سطع نجمة مع الضعف السياسي و التهاوي العسكري الكبير للمجلس الانتقالي و ضياع فرصه للنهوض في الوقت الراهن.