من القومية إلى المذهبية: كيف نجا الخليج من “قوس الأزمات” ليواجه “الهلال الشيعي”؟

March 13, 2026 تم النشر في
مقالات الرأي
...

بقلم :- علي باسمير

لم تكن دول الخليج، في نشأتها الحديثة، مجرد كيانات سياسية وليدة تبحث عن مكانها على الخريطة، بل كانت حصوناً تقليدية في مواجهة بحر متلاطم من الأيديولوجيات الثورية التي هددت وجودها ذاته. إن فهم التحديات التي تواجهها المنطقة اليوم يستحيل دون العودة إلى تاريخها الحافل بالصراعات، والذي يمكن تلخيصه في مرحلتين مفصليتين: مرحلة "قوس الأزمات الأيديولوجية"، ومرحلة "الهلال الشيعي".

المرحلة الأولى: حصار القومية والاشتراكية

في منتصف القرن العشرين، وجدت الممالك الخليجية نفسها محاصرة بما يمكن تسميته "قوس الأزمات الأيديولوجية". من الشمال، نهضت القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، حاملةً مشروعاً وحدوياً لا يعترف بالحدود ويهدف إلى إسقاط الأنظمة "الرجعية". وتعمّق هذا التهديد مع صعود حزب البعث في العراق وسوريا، الذي أضاف بُعداً حزبياً منظماً لهذا الطموح، محولاً العراق بعد 1958 إلى قوة أيديولوجية تسعى لتصدير ثورتها.أما من الجنوب، فكان المشهد أكثر تعقيداً. في شمال اليمن، أطاحت ثورة 1962 بالنظام الملكي، لكنها أدخلت البلاد في حرب أهلية طاحنة كانت في جوهرها حرباً بالوكالة بين مصر الناصرية والسعودية الملكية. هذا النظام الجمهوري "المتخبط" ظل لعقود مصدراً لعدم الاستقرار على حدود الخليج. وفي الجنوب، كان الخطر أكثر وضوحاً؛ فبعد رحيل بريطانيا، قامت دولة اشتراكية ماركسية صريحة، لتصبح عدن حليفاً مباشراً للاتحاد السوفيتي، ومنصة لتهديد أمن المنطقة في ذروة الحرب الباردة.في تلك الحقبة، كانت المعركة وجودية. لقد خاضت دول الخليج، بقيادة السعودية، صراعاً مريراً لاحتواء هذا القوس الأيديولوجي، مستخدمةً الدبلوماسية والمال وحتى القوة العسكرية لمنع انهيار أنظمتها التقليدية.
المرحلة الثانية: صناعة الفراغ وولادة الهلال الشيعي
نهاية الحرب الباردة وتراجع بريق القومية العربية، بدا وكأن المنطقة تتجه نحو استقرار نسبي. لكن هذا الهدوء كان مقدمة لعاصفة أكبر. جاء عام 2003 ليسدل الستار على نظام صدام حسين، لكنه في الوقت نفسه فتح "صندوق باندورا" في الشرق الأوسط. إن إسقاط الدولة العراقية، التي كانت تاريخياً تمثل حاجزاً استراتيجياً أمام التوسع الإيراني، لم يؤدِ إلى الديمقراطية المأمولة، بل إلى فراغ كارثي.استغلت إيران هذا الفراغ ببراعة استراتيجية، لتحل محل الأيديولوجيا القومية بمشروع سياسي-مذهبي عابر للحدود. وهكذا، وُلد ما عُرف لاحقاً بـ"الهلال الشيعي"، وهو محور نفوذ يمتد من طهران، مروراً ببغداد ودمشق، وصولاً إلى بيروت. لم يعد التهديد مجرد دولة معادية على الحدود، بل تحول إلى شبكة معقدة من الوكلاء والتنظيمات غير الحكومية (Non-State Actors) مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وفصائل الحشد الشعبي في العراق.إن مشهد إعدام صدام حسين فجر عيد الأضحى لم يكن مجرد نهاية لديكتاتور، بل كان رمزاً لانتقال ميزان القوى في المنطقة. لقد تغيرت طبيعة التهديد بشكل جذري؛ فبدلاً من جيوش نظامية يمكن ردعها، أصبحت دول الخليج تواجه عدواً هجيناً، يقاتل بحرب غير متماثلة، وينشر نفوذه داخل مجتمعات المنطقة نفسها.

الخليج اليوم: بين سندان التكنولوجيا ومطرقة الاقتصاد

اليوم، تواجه دول الخليج التجسيد العملي لهذا التحول. الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي تصل إلى عمق عواصمها لم تعد مجرد تهديد بعيد، بل حقيقة مؤلمة تعكس مدى تطور قدرات وكلاء إيران. لقد غيرت هذه التقنيات منخفضة التكلفة قواعد اللعبة، وفرضت تحدياً أمنياً هائلاً حتى على أكثر الدول تسليحاً.في الوقت نفسه، يأتي هذا التحدي الأمني في لحظة تاريخية تسعى فيها دول الخليج لتنفيذ خطط تحول اقتصادي طموحة كرؤية 2030. إن نجاح هذه الرؤى يعتمد بشكل أساسي على الاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل الصراع الحالي ذا تكلفة مزدوجة: تكلفة أمنية باهظة، وتكلفة اقتصادية تهدد مستقبل أجيال بأكملها
.الخاتمة:
إن تاريخ الخليج الحديث هو قصة صراع مستمر من أجل البقاء. لقد نجحت هذه الدول في الصمود أمام عواصف القومية والاشتراكية، لكنها تواجه اليوم تحدياً أكثر تعقيداً وعمقاً. إن ما بدأ كتآمر لإسقاط نظام ديكتاتوري، انتهى بصناعة فراغ استراتيجي أعاد تشكيل المنطقة بأكملها، وترك دول الخليج في مواجهة مباشرة مع مشروع إقليمي لا يقل خطورة عن الأيديولوجيات التي سبقته.