انتقال القضية عبر الأجيال: قراءة في وعي الشباب الجنوبي المعاصر

May 8, 2026 تم النشر في
مقالات الرأي
...

بقلم :- علي محمد باسمير

لا تُقاس حيوية القضايا السياسية بمدى ارتباطها بالجيل الذي عايشها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار والانتقال إلى أجيال لم تكن شاهدًا مباشرًا على أحداثها. وفي الحالة الجنوبية، يبرز الحضور الشبابي الكثيف في الفعاليات الجماهيرية بوصفه مؤشرًا يستحق القراءة، لا باعتباره ظاهرة عاطفية عابرة، بل كتحول تدريجي في بنية الوعي السياسي.
أولًا: مفارقة الجيل غير الشاهد
يُلاحظ من خلال الحضور الجماهيري في عدد من الفعاليات المرتبطة بالقضية الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، مشاركة لافتة لشباب تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والعشرين، وهو ما تعكسه بوضوح التغطيات الإعلامية والمقاطع المتداولة.
هذه الفئة وُلدت بعد قيام الوحدة عام 1990، ولم تعايش تجربة الدولة الجنوبية السابقة، كما لم تدرك بشكل مباشر تفاصيل التحولات التي أعقبت حرب 1994.
ورغم ذلك، يظهر هذا الجيل مستوى ملحوظًا من التماهي مع القضية، لا يقتصر على التعاطف، بل يمتد إلى تبني الشعارات والمواقف المرتبطة بها.
ثانيًا: من الذاكرة إلى الهوية
يمكن تفسير هذا التماهي بوصفه نتيجة لتحول القضية من “حدث تاريخي” إلى “هوية جمعية”.
فالروايات التي نقلتها الأجيال التي عايشت التحولات لم تنتقل كوقائع مجردة، بل كإحساس بالانتماء وإدراك لوجود اختلالات في التوازن السياسي والاقتصادي.
ومع مرور الوقت، لم تعد القضية الجنوبية مرتبطة فقط بماضٍ سياسي، بل أصبحت إطارًا يُستخدم لتفسير الحاضر، وتحديد ملامح التطلعات المستقبلية.
ثالثًا: فجوة الانتماء في ظل الدولة القائمة
أحد العوامل المرجّحة لتفسير هذا الحضور الشبابي هو اتساع فجوة الانتماء لدى هذه الفئة.
فرغم نشأة هذا الجيل في ظل الدولة الموحدة، إلا أن التجارب اليومية المرتبطة بالخدمات، والاقتصاد، والفرص، ساهمت في إضعاف مستوى الارتباط بها.
هذا الضعف لا يعني بالضرورة تبني موقف سياسي متكامل، لكنه يخلق بيئة مهيأة لتقبّل سرديات بديلة، تقدم نفسها بوصفها أكثر اتساقًا مع الواقع المعاش.
رابعًا: دور الخطاب والتعبئة
لا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند دور الخطاب السياسي والإعلامي.
إذ أسهمت النخب السياسية، إلى جانب وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، في إعادة تقديم القضية الجنوبية بلغة أقرب إلى الجيل الجديد، وتحويلها من ملف تاريخي إلى قضية معاصرة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
هذا الخطاب لم يكتفِ باستدعاء الماضي، بل ربطه بتجارب ملموسة يعيشها الشباب، ما عزز من قابلية التفاعل معه وتبنيه.
خامسًا: قراءات بديلة للمشهد
ورغم وجاهة هذا التفسير، لا يمكن إغفال احتمالات أخرى قد تسهم في تفسير الظاهرة، مثل تأثير البيئة الاجتماعية، أو ديناميكيات الحشد الجماهيري، أو التماهي مع القوى الفاعلة على الأرض.
غير أن استمرار الحضور الشبابي، واتساعه عبر أكثر من مناسبة، يشير إلى أن المسألة تتجاوز التفاعل اللحظي، لتلامس مستوى أعمق يتعلق بإعادة تشكّل الوعي والانتماء.
سادسًا: دلالات المشهد
يحمل هذا الحضور الشبابي عدة دلالات يمكن قراءتها في سياق أوسع:
أن القضايا ذات الجذور الاجتماعية العميقة لا تنتهي بانتهاء سياقها الزمني.
وأن الذاكرة الجمعية قادرة على إعادة إنتاج نفسها عبر الأجيال، حتى في غياب التجربة المباشرة.
كما أن ضعف الاندماج في الدولة القائمة يفتح المجال أمام صعود هويات بديلة تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والكيان السياسي.
خاتمة
ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تفاعل شبابي مع خطاب سياسي، بل هو تعبير عن تحوّل أعمق في بنية الوعي والانتماء.
جيل لم يعش التجربة، لكنه تبناها؛ ليس بوصفها ماضيًا يُستعاد، بل كقضية حاضرة تُعاش.
وهنا تبرز الإشكالية الأهم:
حين تعجز الدول عن بناء انتماء جامع ومستقر، فإنها تفسح المجال لعودة الهويات المؤجلة، لتعيد تشكيل المشهد—even بعد مرور جيل كامل.