ستة و ثلاثون عامًا من تغيير الحكام.. وصفر اتفاق على الدولة

بقلم :- علي باسمير
منذ إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، لم يخرج اليمن من دائرة التحولات المتتالية: حكومات تتبدل، رؤساء يتعاقبون، تحالفات تتشكل ثم تتفكك، وحروب تتكرر بأشكال مختلفة. لكن رغم كل ذلك، بقي جوهر الأزمة ثابتًا، وكأن الزمن يدور حول حلقة مغلقة لا تتغير إلا في الواجهة.
فالمشكلة لم تكن يومًا في اسم الحاكم: سواء كان علي عبدالله صالح، أو عبدربه منصور هادي، أو رشاد العليمي، أو عبدالملك الحوثي، أو عيدروس الزبيدي. ولم تكن في طبيعة الحاكم مدنيًا كان أو عسكريًا، ولا في كون التحول جاء عبر انقلاب أو ثورة أو تسوية سياسية. فالأسماء تتغير، لكن بنية الأزمة لا تتغير.
إن جوهر المأزق اليمني أعمق من ذلك بكثير؛ إنه أزمة عقد اجتماعي لم يكتمل تشكّله بعد، منذ لحظة تأسيس الدولة الحديثة. فالمجتمع لم يتفق حتى اليوم على القواعد الأساسية التي تنظم العلاقة بين المواطن والدولة، بين السلطة والقانون، وبين الحقوق والواجبات.
وقد لخص الفيلسوف جان جاك روسو هذه الفكرة حين أكد أن شرعية الدولة لا تنبع من القوة، بل من اتفاق جماعي ضمني بين أفراد المجتمع على قواعد الحكم. وحين يغيب هذا الاتفاق، يتحول المجال السياسي إلى صراع مفتوح على النفوذ بدل أن يكون إدارة مشتركة للشأن العام.
وفي التراث الفكري الإسلامي، أشار ابن رشد إلى أن الدولة لا تستقيم إلا بالعدل وسيادة القانون، وأن السلطة حين تنفصل عن المصلحة العامة تتحول إلى غلبة لا إلى نظام، وإلى قوة لا إلى دولة.
أما عالم الاجتماع علي الوردي فقد ذهب إلى عمق التكوين الاجتماعي العربي، مشيرًا إلى التناقض المستمر بين قيم الدولة الحديثة من جهة، وقيم العصبية التقليدية من جهة أخرى، حيث تظل الولاءات الفرعية أقوى من الولاء للمؤسسة، فتضعف الدولة مهما تبدلت أنظمتها.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة الحالة اليمنية بوصفها صراعًا لم يُحسم بعد حول تعريف الدولة نفسها: هل هي إطار وطني جامع يقوم على المواطنة المتساوية؟ أم ساحة تتقاسمها الهويات المناطقية والمذهبية والقبلية والحزبية؟
إن غياب الإجماع على هذا السؤال هو ما يجعل كل أزمة سياسية تتحول إلى أزمة وجود، وكل خلاف إلى صراع على شكل الدولة لا على إدارتها فقط.
ومع ذلك، فإن أي عقد اجتماعي حقيقي لا يمكن أن يقوم إلا على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها:
المواطنة المتساوية دون أي تمييز.
سيادة الدستور والقانون بدلًا من منطق القوة.
التداول السلمي للسلطة عبر آليات ديمقراطية واضحة.
التوزيع العادل للسلطة والثروة.
استقلال القضاء ومبدأ المحاسبة دون استثناء.
احتكار الدولة للسلاح ومنع ازدواج السلطة.
الاعتراف بالتنوع السياسي والاجتماعي ضمن إطار وطني جامع.
وتغليب المصلحة الوطنية على الولاءات الضيقة.
فالدول لا تُبنى بتغيير الرؤساء، بل بتوافق المجتمع على قواعد الحكم. وحين يغيب هذا التوافق، يتحول كل فاعل سياسي إلى مشروع دولة، وكل قوة إلى سلطة بديلة، وكل أزمة إلى حرب مؤجلة.
ولهذا، فإن السؤال اليمني الجوهري لا يزال معلقًا حتى اليوم:
ليس: من يحكم؟
بل: على أي دولة اتفق اليمنيون أصلًا؟
وما لم يُحسم هذا السؤال، ستظل الوجوه تتغير، بينما تبقى الأزمة ذاتها تُعاد إنتاجها في كل مرحلة، وكأن الزمن السياسي لا يتقدم، بل يعيد نفسه بصيغة مختلفة.