معركة باب المندب تغيّر مسار الحرب: إلى أين يتجه التصعيد في اليمن؟

September 18, 2026 تم النشر في
إصدارات المركز
...

دخلت الحرب في اليمن منعطفاً أكثر خطورة بعد سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وأجزاء واسعة من الساحل الغربي واقترابهم من باب المندب، في تقدم ميداني سريع نقل مركز المواجهة من جبهات داخلية ظلت شبه مستقرة لسنوات إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم وحدود الجنوب، بالتزامن مع تصاعد الهجمات على السعودية.

وخلال أقل من أسبوع، تعرضت مواقع للقوات الجنوبية في لحج ويافع لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ومحاولات تقدم بري، فيما كثفت السعودية غاراتها. وفي تطور جديد، أعلن الحوثيون الأربعاء إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15 فوق مأرب، بعد يوم من إعلان الرياض اعتراض طائرة مسيّرة قالت إن الجماعة أطلقتها باتجاه المجال الجوي المحظور لمكة، وهو ما نفاه الحوثيون.

ولم تؤكد السعودية إسقاط المقاتلة، لكن الحادث، إذا ثبتت تفاصيله، سيضيف تحدياً جديداً للحملة الجوية السعودية، في وقت تحاول فيه الرياض وقف التقدم الحوثي من الجو بينما تواجه صواريخ وطائرات مسيّرة تستهدف أراضيها.

وتشير سرعة التحولات واتساع رقعة المواجهة إلى أن الأيام المقبلة قد تحدد ما إذا كان الحوثيون سيتمكنون من تثبيت مكاسبهم حول باب المندب وتوسيع الضغط جنوباً، أم أن الغارات وإعادة تجميع القوات المناهضة لهم ستنجحان في إقامة خط دفاع جديد. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من كثير من روايات الأطراف بشأن السيطرة والخسائر.

باب المندب يتحول إلى ملف دولي

يبدو أن ذُو باب والمناطق المحيطة بباب المندب ستكون الاختبار العسكري الأكثر أهمية. فبعد سقوط حيس والخوخة ومعسكر خالد والمخا، أعادت القوات المناهضة للحوثيين تموضعها جنوباً، فيما استهدفت الغارات التعزيزات الحوثية في المخا وذُو باب ومحيط المضيق، واستمرت الاشتباكات في كهبوب.

وأشارت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير لها إلى أنّ أهمية هذه الجبهة تزداد لأن الوصول المباشر إلى ساحل باب المندب يمنح الحوثيين خيارات أوسع لمراقبة السفن وتهديدها، ويقلص المسافة اللازمة لاستخدام الزوارق الهجومية والطائرات المسيّرة والأسلحة الأقصر مدى. ولا يعني ذلك امتلاك قدرة فورية على إغلاق المضيق، لكنه يرفع كلفة تأمينه ويغير طبيعة التهديد للملاحة.

وانتقلت هذه المخاطر سريعاً إلى مجلس الأمن، الذي ناقش، يوم الثلاثاء الماضي، التطورات للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع. وقال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة خالد خياري إن الوضع حول باب المندب أصبح أكثر تقلباً، وإن الحوثيين واصلوا تقدمهم نحو المضيق وسيطروا، وفق تقارير، على عدة جزر في جنوب البحر الأحمر. وأضاف أن حركة الشحن التجاري لم تتأثر حتى الآن، لكن التطورات تثير مخاوف بشأن أمن الملاحة والإمدادات العالمية.

ويمتد أثر المعركة إلى أزمة إنسانية متسارعة. وتقول الأمم المتحدة إن 125 ألف شخص نزحوا في اليمن منذ بداية سبتمبر، فيما سُجلت 40 ضحية مدنية بين قتيل وجريح، ووصل نحو 2300 شخص إلى جيبوتي هرباً من التصعيد.

وفي موازاة ذلك، كشف موقع أكسيوس عن اجتماع عسكري سري في ألمانيا نظمه قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر، وضم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي وقادة عسكريين من السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر ودول أخرى، لمناقشة الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية. وبحسب التقرير، تناول الاجتماع استمرار الوجود العسكري الأمريكي والتنسيق الأمني والاستخباراتي وقضايا أمن الملاحة.

ولا يعني الاجتماع تشكيل تحالف جديد خاص باليمن، لكنه يكشف أن معركة باب المندب تجري ضمن بيئة أمنية إقليمية أوسع تتداخل فيها أزمة البحر الأحمر مع المواجهة مع إيران وأمن مضيق هرمز. وهذا قد يرفع مستوى التنسيق الاستخباراتي حول التهديد الحوثي حتى إذا استمرت واشنطن في تجنب المشاركة المباشرة في الضربات داخل اليمن.

معضلة القوة البرية

في الداخل، تواجه السعودية مشكلة أكثر تعقيداً من التفوق الجوي، وهي القوة التي تستطيع الاحتفاظ بالأرض أو استعادتها. فقد أدى الخلاف مع المجلس الانتقالي الجنوبي وخروج جزء مهم من قواته من المعادلة الهجومية إلى تضييق الخيارات البرية المتاحة للرياض، بينما جاءت خسارة المقاومة الوطنية مركز ثقلها في المخا لتزيد الضغط على المعسكر المناهض للحوثيين.

وفي تصريحات لشبكة NBC News، ربط عمرو البيض جانبًا من التراجع بتفكك الجبهة التي كانت تقاتل الحوثيين، محذرًا من انتقال الضغط العسكري نحو الجنوب.

وفي هذه البيئة، يصبح اعتماد الرياض أكبر على وحدات حكومية يرتبط جزء منها بحزب الإصلاح، إلى جانب ألوية وتشكيلات يشكل مقاتلون ذوو خلفية سلفية ثقلاً فيها. غير أن التجربة السابقة تكشف نقاط ضعف مختلفة لدى الطرفين.

فقد سجلت وحدات حكومية محسوبة على الإصلاح انتكاسات بارزة أمام الحوثيين في نهم والجوف ومأرب وشبوة. وفي 2021، انسحبت قوات موالية للحكومة سريعاً من ثلاث مديريات شمال غربي شبوة، ما أثار اتهامات من خصوم الإصلاح بالتواطؤ مع الحوثيين. ورفض أنصار الحزب تلك الاتهامات وربطوا الأداء بتراجع دعم التحالف والانقسامات داخل المعسكر المناهض للجماعة، ولا توجد أدلة مستقلة تثبت اتهامات التواطؤ.

أما التشكيلات ذات الخلفية السلفية، فقد أثبت بعضها فاعلية كبيرة في معارك سابقة، وفي مقدمتها ألوية العمالقة، لكنها ليست كتلة عسكرية أو فكرية واحدة تخضع لقيادة موحدة، وتوزعت التيارات السلفية خلال الحرب بين تشكيلات وقيادات وتحالفات مختلفة. وهذا يجعل جمعها تحت قرار عملياتي واحد أكثر تعقيداً.

وتضيف الخسائر البشرية الأخيرة ضغطاً جديداً. فإذا استمر الاستنزاف دون مكاسب ميدانية، فقد تصبح إعادة حشد هذه التشكيلات وتعويض خسائرها وإقناعها بخوض جولات جديدة أكثر صعوبة. وهنا تصبح المشكلة الأساسية أمام الرياض هي تحويل الغطاء الجوي والدعم اللوجستي إلى جبهة برية متماسكة تستطيع وقف الحوثيين ثم استعادة الأرض.

وفي المقابل، قد يدفع الخطر المباشر على لحج وباب المندب القوى الجنوبية إلى تجاوز خلافاتها مؤقتاً. ولا تزال ألوية العمالقة، بخبرتها في قتال الحوثيين، أحد أهم عناصر القوة في الجبهة الجديدة، لكن فعاليتها ستعتمد على وجود قيادة عمليات وتنسيق عسكري أوسع.

السعودية أمام تصعيد متعدد الجبهات

يزداد الموقف السعودي تعقيداً لأن الرياض باتت مطالبة بإدارة معركة داخل اليمن وحماية أراضيها في الوقت نفسه. فقد أعلن الحوثيون هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مدن وقواعد سعودية، بينما وسعت الرياض غاراتها على اليمن.

ويمثل إعلان إسقاط الـF-15 تطوراً يستحق المراقبة بصورة خاصة. فإذا تأكد أن الحوثيين أسقطوا المقاتلة بنظام دفاع جوي، فقد يزيد ذلك مخاطر العمليات الجوية السعودية ويجبر الرياض على تعديل تكتيكات الطيران، في وقت تعتمد فيه بدرجة كبيرة على الغارات لتعويض ضعف وتشتت القوات البرية. أما إذا لم يثبت الإعلان، فسيظل جزءاً من حرب الروايات المصاحبة للتصعيد.

وفي الوقت نفسه، نقلت رويترز عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن الهجوم الحوثي على الساحل جاء بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني، وأن طهران شجعت الجماعة على زيادة الضغط على السعودية ووعدتها بمزيد من التمويل والأسلحة. وتنفي إيران ضلوعها في التصعيد.

وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد حث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على توجيه ضربات للحوثيين، وفق أكسيوس، لكن واشنطن امتنعت عن التدخل المباشر مع زيادة الدعم الاستخباراتي واللوجستي.

وتشير التطورات الأحدث إلى أن الولايات المتحدة تحاول أيضاً إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً. فقد أفاد أكسيوس بأن دبلوماسيين أمريكيين التقوا ممثلين عن الحوثيين في عُمان خلال عطلة نهاية الأسبوع لمناقشة أزمة البحر الأحمر والحفاظ على التفاهم القائم بين واشنطن والجماعة.

وهكذا تبدو الأيام المقبلة أمام ثلاثة اختبارات مترابطة: قدرة الحوثيين على تثبيت مكاسبهم حول باب المندب، قدرة السعودية على إعادة بناء قوة برية متماسكة في ظل تراجع عدد حلفائها الفاعلين والانقسامات بينهم، ومدى استعداد القوى الدولية للانتقال من حماية الملاحة وتبادل المعلومات إلى تدخل أكثر مباشرة.

وإذا تمكنت القوات المناهضة للحوثيين من تثبيت خط ذُو باب وكهبوب وإعادة تنظيم قيادتها، فقد يتحول التقدم الحوثي إلى معركة استنزاف طويلة. أما استمرار الانقسامات أو وقوع خسائر جديدة، خصوصاً إذا ثبت تطور قدرة الحوثيين على تهديد الطيران السعودي، فقد يمنح الجماعة فرصة لترسيخ مكاسبها وتحويل اختراق الساحل الغربي إلى تغيير أوسع في ميزان القوى داخل اليمن والبحر الأحمر.