ما شكل السلام العادل والشامل الذي يحتاجه اليمن؟

بقلم / مصطفى بن خالد
من وقف الحرب وتقاسم السلطة إلى بناء الدولة ومعالجة جذور الصراع
لا يحتاج اليمن إلى اتفاق يوقف إطلاق النار فحسب، ولا إلى تسوية تُعيد توزيع المناصب بين أطراف الصراع، بينما تترك أسباب الحرب قائمة وقابلة للانفجار من جديد.
إنه يحتاج إلى مشروع سلام وطني شامل يعالج جذور الأزمة، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، وينصف المواطنين، ويؤسس لعلاقة عادلة بين السلطة والمجتمع، وبين المركز والمحافظات، وبين مختلف المكونات الوطنية.
فالتجربة اليمنية أثبتت أن الاتفاقات التي تتعامل مع الحرب بوصفها صراعاً على السلطة وحدها تظل قاصرة عن إنتاج سلام مستدام؛ لأن الأزمة أعمق من خلاف على المناصب، وأوسع من تنافس بين القوى السياسية والعسكرية.
إنها أزمة دولة ومؤسسات، ومظالم متراكمة، واختلالات في توزيع السلطة والثروة، وانقسامات سياسية واجتماعية ومناطقية، فضلاً عن تدهور اقتصادي وإنساني يهدد حياة الملايين.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نوقف الحرب؟ بل: كيف نبني سلاماً يمنع عودتها، ويجعل الدولة إطاراً جامعاً لكل اليمنيين، لا غنيمة تتقاسمها القوى المتصارعة؟
من وجهة نظري، يتطلب السلام العادل والشامل سبعة مسارات مترابطة، لا يمكن لأي منها أن يحقق غايته بمعزل عن المسارات الأخرى.
المسار الأول: وقف الحرب وحماية المدنيين
يمثل وقف إطلاق النار الخطوة الأولى في طريق السلام، لكنه لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا إذا كان مستداماً، وقابلاً للمراقبة والتحقق والتنفيذ، ومدعوماً بضمانات تمنع العودة إلى المواجهات المسلحة.
ويجب أن يترافق ذلك مع فتح الطرق والمنافذ، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، والإفراج عن المحتجزين وفق اتفاقات واضحة وقابلة للتنفيذ، إلى جانب معالجة الأوضاع الإنسانية للعائلات المتضررة من الحرب.
إن الاتفاقات الإنسانية، مهما كانت محدودة، يمكن أن تفتح نوافذ للثقة بين الأطراف، وتخفف معاناة المواطنين، وتوفر أرضية عملية للتقدم نحو تسوية أوسع.
لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الحل السياسي، أو إلى غطاء لإطالة أمد الصراع.
فالهدنة التي لا تفضي إلى سلام تظل استراحة بين جولتين من الحرب، أما وقف الحرب الحقيقي فيبدأ حين تصبح حماية الإنسان أولوية تتقدم على حسابات النفوذ والمكاسب العسكرية.
المسار الثاني: تسوية سياسية شاملة وبناء دولة عادلة
لا يمكن أن يستقر السلام من خلال تفاهمات ثنائية أو صفقات مغلقة تُصاغ بعيداً عن بقية المكونات والقوى الوطنية، ثم تُفرض نتائجها على المجتمع اليمني باعتبارها أمراً واقعاً.
فاليمن، بتعدد قضاياه ومكوناته وتطلعات أبنائه، أكبر من أن يُختزل مستقبله في اتفاق بين طرفين، وأعمق من أن تُعالج أزماته المركبة بتسويات مؤقتة تتجاهل جذور الصراع.
لذلك، ينبغي أن تقوم العملية السياسية على توافق وطني واسع، يضمن مشاركة القوى اليمنية المؤثرة، والمكونات الاجتماعية المختلفة، والنساء والشباب والأقليات والمجتمع المدني، مع توفير ضمانات حقيقية تمنع الإقصاء والاحتكار السياسي.
ويجب أن تتناول التسوية شكل الدولة، وتوزيع الصلاحيات، والعلاقة بين المركز والمحافظات، والحقوق السياسية، وآليات تداول السلطة، واستقلال المؤسسات، والضمانات الدستورية التي تكفل المساواة بين المواطنين.
وفي هذا السياق، ينبغي الاستفادة من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل بوصفها مرجعية مهمة للحوار حول مستقبل الدولة، مع معالجة القضايا التي ظلت محل خلاف، وفي مقدمتها صيغة الأقاليم وحدودها، بما يضمن الوصول إلى نظام سياسي وإداري يحظى بقبول وطني واسع، ولا يعيد إنتاج أسباب الانقسام والصراع.
إن المطلوب ليس التمسك بصيغ إدارية مثيرة للخلاف لمجرد أنها طُرحت في مرحلة سابقة، ولا إلغاء ما تحقق من توافقات وطنية، بل مراجعة الخيارات المختلف عليها من خلال حوار مسؤول، يستند إلى إرادة المواطنين، والواقع الاجتماعي والاقتصادي، والقدرة على تحقيق تنمية متوازنة وعدالة في توزيع السلطة والثروة.
ومن هنا، أرى أن بناء دولة اتحادية حقيقية، تقوم على صلاحيات محلية واسعة وفاعلة، يستحق أن يكون في صميم النقاش الوطني. دولة تمتلك فيها السلطات المحلية المنتخبة القدرة الفعلية على إدارة شؤون مناطقها، وتكون لها اختصاصات واضحة وموارد كافية، ضمن إطار دستوري يضمن وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها.
فتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها ليس تفكيكاً للدولة، بل يمكن أن يكون مدخلاً لتعزيز وحدتها، متى استند إلى المواطنة المتساوية، والعدالة في توزيع الموارد، والتكامل بين الوحدات الإدارية، وسيادة القانون.
ولا يجوز أن تتحول التسوية إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى المتصارعة، بينما تبقى المجتمعات المحلية محرومة من حقها في المشاركة في القرار، أو تُرسم حدود الوحدات الإدارية بمعزل عن مصالح السكان وإرادتهم وواقعهم الاجتماعي والاقتصادي.
فاليمن الذي نريد استعادته ليس دولة مركزية تُقصي أطرافها، ولا كيانات متنازعة تتقاسم أنقاضها، بل دولة اتحادية عادلة، قوية بمؤسساتها، موحدة بسيادتها، ومتعددة في إدارتها المحلية؛ تكون فيها السلطة أقرب إلى الناس، والثروة حقاً عاماً، والقانون مرجعية للجميع.
المسار الثالث: معالجة القضية الجنوبية وسائر المظالم الوطنية
لا يمكن بناء سلام مستدام في اليمن من دون معالجة جادة وعادلة للقضية الجنوبية، ولسائر المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي راكمتها سنوات الصراع والاختلال في إدارة الدولة.
فالقضايا الوطنية لا تُحل بتجاهلها، ولا بتقليل شأنها، ولا بإخضاعها لموازين القوة العسكرية.
وإنما تحتاج إلى اعتراف واضح بجذورها، وحوار سياسي مسؤول بشأنها، وآليات عملية لمعالجة آثارها وضمان عدم تكرارها.
ويقتضي ذلك فتح مسار وطني جاد يناقش قضايا التمثيل السياسي، وتوزيع السلطة والثروة، والحقوق المحلية، والضمانات الدستورية، وشكل الدولة ومستقبلها، بما يتيح معالجة الخلافات بالوسائل السلمية، ويحفظ كرامة المواطنين وحقوقهم.
كما ينبغي أن يقوم هذا المسار على مبدأ عدم الإقصاء، وألا يُختزل تمثيل أي قضية وطنية في طرف واحد أو قيادة واحدة، بل تُتاح مساحة حقيقية للتعدد داخل المكونات نفسها، وللتعبير السلمي عن مختلف الرؤى والتطلعات.
إن معالجة القضية الجنوبية ليست شأناً منفصلاً عن مستقبل اليمن، كما أن الحفاظ على وحدة البلاد لا يتحقق بإنكار المظالم أو فرض صيغ سياسية لا تحظى بالقبول؛ بل ببناء دولة يشعر فيها الجميع بأن حقوقهم مصانة، وأن مشاركتهم في السلطة والثروة مضمونة، وأن خياراتهم السياسية تُناقش بالحوار لا تُحسم بالقوة.
والسلام العادل لا يعني أن ينتصر طرف على آخر، بل أن تتوافر صيغة سياسية منصفة تتيح التعايش والشراكة، وتحوّل الاختلاف من مصدر للصراع إلى جزء طبيعي من الحياة الوطنية الديمقراطية.
المسار الرابع: توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية
لا يمكن لأي اتفاق سياسي أن يصمد إذا ظلت البلاد موزعة بين تشكيلات مسلحة متعددة، تتباين ولاءاتها ومرجعياتها، وتمتلك القدرة على تعطيل التسوية أو استئناف القتال.
ولهذا، يجب أن يتضمن اتفاق السلام ترتيبات أمنية وعسكرية واضحة، تُنفذ وفق مراحل وجدول زمني متفق عليه، وتحدد مسؤوليات الأطراف وضمانات الالتزام، وصولاً إلى بناء مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية تعمل وفق الدستور والقانون، وتخضع لسلطة مدنية شرعية ورقابة مؤسسية.
ولا يعني ذلك تجاهل المخاوف الأمنية للأطراف أو المطالبة بترتيبات فورية غير قابلة للتنفيذ، بل يتطلب عملية انتقالية مدروسة تجمع بين ضمان الأمن، وخفض التصعيد، وتنظيم السلاح، وإعادة هيكلة المؤسسات، ودمج الأفراد المؤهلين وفق معايير مهنية ووطنية واضحة.
كما ينبغي أن تشمل الترتيبات معالجة التجنيد خارج الأطر القانونية، ومنع استخدام المؤسسات العسكرية والأمنية في الصراع الحزبي، وضمان عدم توظيفها لمصلحة جماعة أو منطقة أو فئة بعينها.
فالدولة التي تحتكر فيها تشكيلات متنافسة قرار الحرب والسلم لا تستطيع حماية مواطنيها أو فرض القانون أو ضمان استقرار المؤسسات.
أما السلام الحقيقي، فيتطلب أن يكون السلاح خاضعاً للدولة، وأن تكون الدولة خاضعة للقانون، وأن تكون حماية المواطنين غاية المؤسسات الأمنية والعسكرية لا وسيلة للهيمنة عليهم.
المسار الخامس: إنقاذ الاقتصاد واستعادة مقومات الحياة
لا يمكن أن يستمر السلام إذا بقي المواطن عاجزاً عن توفير الغذاء والدواء، أو إذا ظلت الرواتب والخدمات الأساسية رهينة الصراع السياسي، أو إذا استمرت الموارد العامة في تغذية الانقسام بدلاً من تمويل احتياجات المجتمع.
فالأزمة الاقتصادية ليست نتيجة جانبية للحرب فحسب، بل أصبحت أحد العوامل التي تهدد فرص السلام، وتوسع دائرة الفقر، وتضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات، وتزيد من هشاشة الاستقرار الاجتماعي.
وتكشف تقديرات الأمم المتحدة والجهات الإنسانية عن حجم الاحتياجات في اليمن، غير أن الأرقام المتعلقة بالمساعدات والأمن الغذائي تتغير بحسب الفترة والمنهجية، ولذلك ينبغي إسناد أي أرقام تُنشر في هذا السياق إلى تقارير موثوقة ومحددة التاريخ.
وعلى المستوى العملي، يجب أن يتضمن اتفاق السلام برنامجاً اقتصادياً واضحاً، لا مجرد تعهدات عامة، يقوم على ستة مرتكزات أساسية:
• دفع الرواتب: وضع آلية شفافة ومستدامة لصرف رواتب الموظفين، وفق قواعد واضحة ومصادر تمويل يمكن التحقق منها.
• إدارة الإيرادات العامة: تعزيز الشفافية في تحصيل الإيرادات وإنفاقها، وتوجيهها إلى الخدمات والاحتياجات العامة، وفق معايير عادلة.
• تحييد الاقتصاد: منع استخدام المؤسسات الاقتصادية والموارد العامة أدواتٍ للضغط السياسي أو التمويل العسكري.
• معالجة الاختلالات المالية والنقدية: دعم استقرار العملة، وتحسين إدارة المالية العامة، والحد من الممارسات التي تزيد الأعباء على المواطنين.
• استعادة الخدمات الأساسية: تحسين خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل، وإعادة تأهيل المرافق المتضررة.
• إعادة الإعمار والتنمية: تهيئة بيئة مناسبة للاستثمار، وخلق فرص العمل، ودعم المشروعات الصغيرة، وتوجيه الموارد إلى المناطق الأكثر تضرراً واحتياجاً.
ولا بد أن تقوم هذه الإجراءات على رقابة مالية مستقلة، وإفصاح منتظم عن الإيرادات والنفقات، وآليات تمنع الفساد والاحتكار، وتضمن وصول الموارد إلى مستحقيها.
فالسلام الذي لا يلمسه المواطن في معيشته اليومية سيظل اتفاقا سياسياً بعيداً عن حياته، أما السلام الذي يعيد إليه راتبه، ويفتح أمام أبنائه أبواب التعليم والعمل، ويضمن له العلاج والخدمات، فإنه يتحول إلى مصلحة عامة يدافع عنها المجتمع.
المسار السادس: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
لا يمكن بناء سلام دائم على إنكار المظالم، أو تجاهل الضحايا، أو مطالبة المجتمع بنسيان ما حدث قبل معالجة آثاره وضمان عدم تكراره.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول العدالة إلى أداة للانتقام الجماعي أو تصفية الحسابات السياسية؛ لأن ذلك من شأنه أن يعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة.
والمطلوب هو مسار متوازن للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، يضمن حقوق الضحايا، ويعالج الانتهاكات وفق القانون، ويتيح كشف الحقائق، وجبر الضرر، واستعادة الحقوق حيثما أمكن، ومحاسبة المسؤولين وفق إجراءات عادلة، مع وضع ضمانات مؤسسية تمنع تكرار الانتهاكات.
كما ينبغي أن تمتد المصالحة إلى المجتمعات المحلية التي مزقتها الحرب، من خلال مبادرات مجتمعية تعيد بناء الثقة، وتساعد على معالجة النزاعات، وتضمن عودة النازحين والمهجرين بصورة آمنة وكريمة، وتدعم إعادة دمج المتضررين في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
ولا تتحقق المصالحة بفرض رواية واحدة للأحداث، أو بإسكات المتضررين، بل بتهيئة مساحة وطنية للاعتراف بالمعاناة، والاستماع إلى الضحايا، ومعالجة المظالم، وبناء قواعد مشتركة للعيش تحت مظلة القانون.
فالسلام الحقيقي ليس مجرد توقف الرصاص؛ إنه شعور الناس بأن حقوقهم مصانة، وأن القانون يحميهم، وأن كرامتهم ليست موضع مساومة، وأن مستقبل أبنائهم لن يكون نسخة جديدة من مآسي الماضي.
المسار السابع: تحييد الصراع الإقليمي والدولي وصون السيادة اليمنية
لا يمكن بناء سلام مستدام في اليمن من دون معالجة العامل الخارجي، الذي تداخل مع مسارات الصراع السياسي والعسكري والاقتصادي، وأسهم في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها.
فاليمن ليس جزيرة معزولة عن محيطه، بل بلد يحتل موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية، وتتقاطع في محيطه مصالح إقليمية ودولية متعددة، الأمر الذي يجعل استقراره مرتبطاً بقدرة اليمنيين على تسوية خلافاتهم، وبمدى استعداد القوى الخارجية لاحترام سيادته ودعم تسويته الوطنية.
ومن هنا، ينبغي أن يتضمن اتفاق السلام مساراً مستقلاً يهدف إلى تحييد اليمن عن صراعات النفوذ الإقليمي والدولي، ووقف أشكال التدخل والدعم الخارجي التي تسهم في تأجيج الحرب أو تقويض التسوية، وبناء تفاهمات واضحة مع الأطراف المعنية تضمن احترام سيادة اليمن واستقلال قراره الوطني، وتمنع استخدام أراضيه أو مؤسساته أو مياهه الإقليمية ساحةً لتصفية الحسابات والصراعات بالوكالة.
ويقتضي ذلك معالجة المخاوف الأمنية لدول الجوار من خلال الحوار والضمانات المتبادلة، وإرساء علاقات إقليمية تقوم على احترام السيادة والمصالح المشروعة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، إلى جانب تنظيم التعاون العسكري والأمني الخارجي وفق قواعد قانونية ومؤسسية واضحة، تضمن خضوعه لسلطات الدولة ومؤسساتها الدستورية.
كما ينبغي أن يتضمن هذا المسار تفاهمات إقليمية ودولية تحول دون استمرار تدفق أشكال الدعم العسكري والمالي واللوجستي التي تغذي الصراع، وتدعم توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتحمي العملية السياسية من الضغوط التي قد تدفع أطرافها إلى تعطيل التسوية أو العودة إلى المواجهات المسلحة.
ولا يقل عن ذلك أهميةً ضمان أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، من خلال تعاون مسؤول يحترم السيادة اليمنية، ويوازن بين المصالح الوطنية ومتطلبات الأمن الإقليمي والدولي، من دون تحويل هذه الممرات الحيوية إلى ذريعة لتوسيع الصراع أو فرض ترتيبات تنتقص من استقلال القرار اليمني.
ولضمان فاعلية هذا المسار، لا بد من إنشاء آلية إقليمية ودولية لمساندة تنفيذ اتفاق السلام ومتابعة الالتزامات المرتبطة به، وتقييم مدى الالتزام بها، والمساعدة في معالجة الخروقات، وتوفير الدعم اللازم للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وينبغي أن تقوم هذه الآلية على التزامات محددة وقابلة للتحقق، لا على بيانات سياسية أو تعهدات عامة تفتقر إلى وسائل التنفيذ والمساءلة.
غير أن معالجة العامل الخارجي لا تعني تحميل القوى الإقليمية والدولية وحدها مسؤولية الأزمة اليمنية، أو إعفاء الأطراف المحلية من مسؤولياتها عن الحرب والسلام؛ بل تعني إدراك أن استدامة التسوية تتطلب تكامل مسارين: مساراً وطنياً يعالج جذور الصراع والمظالم والانقسامات، ومساراً إقليمياً ودولياً يضمن عدم تقويض التسوية أو إعادة إنتاج الحرب من خارج الحدود.
فالمطلوب ليس عزل اليمن عن محيطه، ولا استبدال التبعية لطرف بالتبعية لطرف آخر، بل بناء علاقات متوازنة مع دول الجوار والقوى الدولية، تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، وتتيح لليمن استعادة دوره الطبيعي بوصفه دولة مستقلة، وصاحبة قرار في شؤونها، وشريكاً في أمن المنطقة واستقرارها.
إن السلام الذي لا يصون السيادة الوطنية يظل معرضاً للاختراق، والسيادة التي لا تستند إلى دولة قوية ومؤسسات موحدة وتوافق وطني واسع تبقى محدودة الفاعلية.
ولذلك، فإن تحييد الصراع الإقليمي والدولي ليس بديلاً عن بناء الدولة اليمنية، بل شرط مساند لنجاحها، وضمانة إضافية لحماية تسويتها السياسية من الضغوط والتجاذبات الخارجية.
فاليمن لا ينبغي أن يكون ساحةً لصراعات الآخرين، ولا ورقةً في مساوماتهم، بل دولةً تقرر مستقبلها بإرادة أبنائها، وتصون سيادتها بمؤسساتها، وتبني علاقاتها الخارجية على الشراكة لا التبعية، وعلى المصالح المتبادلة لا صراعات النفوذ.
الخلاصة:
إن المسارات السبعة ليست ملفات منفصلة يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها، أو تأجيل بعضها إلى أجل غير مسمى، بل منظومة متكاملة يتوقف نجاحها على الترابط بين أجزائها، وعلى توافر إرادة وطنية جادة لتنفيذها، وبيئة إقليمية ودولية داعمة تحول دون تقويضها.
فوقف الحرب يحتاج إلى تسوية سياسية شاملة، والتسوية تحتاج إلى معالجة المظالم وضمان الشراكة الوطنية، والاستقرار يحتاج إلى مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة، وهذه المؤسسات لن تؤدي دورها من دون اقتصاد قادر على تمويل الدولة وتوفير الخدمات.
كما تظل العدالة والمصالحة شرطاً لاستعادة الثقة بين المجتمع ومؤسساته، فيما يمثل احترام السيادة اليمنية وتحييد الصراعات الإقليمية والدولية عاملاً مهماً في حماية التسوية من الانتكاس.
ولهذا، ينبغي ألا يقتصر اتفاق السلام على إعلان المبادئ والتعهدات العامة، بل يجب أن يتضمن آليات تنفيذ واضحة، وجداول زمنية واقعية، وهيئات للرقابة والمتابعة، وضمانات لمعالجة الخلافات، ومؤشرات قابلة للقياس لتقييم التقدم، بما يجعل الالتزامات قابلة للتنفيذ والتحقق، ولا يترك مصيرها رهينة لتغير موازين القوى أو تضارب المصالح.
كما يجب أن تكون المشاركة المجتمعية جزءاً أصيلاً من عملية السلام، لا مجرد عنوان في وثائق التسوية؛ فالمواطنون الذين تحملوا أعباء الحرب ودفعوا أثمانها لا ينبغي أن يكونوا آخر من تُسمع أصواتهم عند تقرير مستقبل بلادهم.
إن شرعية السلام لا تُستمد من توقيعات الأطراف وحدها، بل من عدالة مضمونه، واتساع المشاركة في صياغته، وقدرته على الاستجابة لتطلعات الناس واحتياجاتهم.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن تستعيد الدولة اليمنية استقلال قرارها، وأن تُبنى علاقاتها الإقليمية والدولية على أساس السيادة والمصالح المتبادلة، لا على التبعية أو الارتهان لصراعات الآخرين.
فالدعم الخارجي يمكن أن يسهم في إنجاح التسوية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الإرادة الوطنية، كما أن التوافق الداخلي لن يبلغ غايته ما لم تتوافر بيئة خارجية تحترمه ولا تعمل على تقويضه.
إن اليمن لا يحتاج إلى تسوية تُجمّد الصراع وتُبقي أسبابه، ولا إلى تقاسم للسلطة يعيد إنتاج منظومة النفوذ نفسها، بل إلى عقد وطني جديد يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس المواطنة المتساوية، والعدالة، والشراكة، وسيادة القانون، ويمنح المجتمعات المحلية حقاً فعلياً في إدارة شؤونها، ضمن دولة تحمي وحدتها وتصون تنوعها وتكفل حقوق جميع أبنائها.
فالمطلوب ليس مجرد إيقاف الحرب، بل بناء نظام سياسي يمنع عودتها؛ وليس تقاسم السلطة بين المتصارعين، بل إقامة دولة تستمد شرعيتها من مواطنيها، وتستمد قوتها من مؤسساتها، وتستمد وحدتها من عدالة نظامها، وتصون سيادتها باستقلال قرارها الوطني.
ذلك، في تقديري، هو جوهر السلام العادل والشامل الذي يحتاجه اليمن: سلام لا يكتفي بإسكات البنادق، بل يعالج الأسباب التي دفعت إلى حملها؛ ولا يكتفي بإعادة ترتيب موازين السلطة، بل يؤسس لدولة تتسع للجميع، وتحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتعيد الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وتمنح الأجيال القادمة فرصة حقيقية لصناعة مستقبل مختلف.
فاليمن لا يحتاج إلى سلام يُنهي جولة من الحرب فحسب، بل إلى سلام يُنهي الحاجة إلى الحرب؛ ولا يحتاج إلى تسوية تُدير أزمته، بل إلى مشروع وطني يعالج جذورها، ويعيد للدولة مكانتها، وللمواطن كرامته، وللوطن قراره وسيادته.