حين تسقط معايير العقل

November 2, 2026 تم النشر في
مقالات الرأي
...

بقلم :- د / عفاف بن جوبح

ليس أخطر ما يواجه المجتمع أن تنتشر فيه الأفكار الخاطئة، بل أن يفقد أفراده القدرة على مساءلتها.

نحن نعيش في حقبةٍ سقطت فيها معايير العقل، وحلّت محلها قوانين الغابة، وأصبح البقاء فيها أحيانًا لمن يجيد التظاهر، لا لمن يمتلك القيم.

أجيالٌ أفسدتها المظاهر، وأصبحت تلهث خلف القشور، وتقيس قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يكون، وبما يُظهره للناس، لا بما يحمله في داخله.

ومجتمعٌ يتقن اكثر أفراده فن النفاق؛ يرتدون أقنعة الفضيلة في العلن، بينما يمارسون في الخفاء سلوكيات تناقض كل ما يعلنونه من مبادئ.

لكن الكارثة الأكبر ليست في المظاهر ولا في ازدواجية المعايير وحدهما، بل في تلك العقول التي تسير خلف القطيع؛ لا تفكر، ولا تحلل، ولا تجرؤ على التساؤل. تردد ما يُملى عليها، وتصفق لما يصفق له الجميع، دون أن تسأل نفسها: لماذا نُصفق؟ وهل ما نؤمن به حقًا يستحق الإيمان؟

فالمجتمع لا يفقد بوصلته حين تنتشر فيه السلوكيات الخاطئة فحسب، بل حين يفقد أفراده القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، أو الشجاعة على قول كلمة الحق حين تصبح مخالفة الآخرين ثمنًا لها.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يعيش بين أفكار خاطئة، بل أن يتوقف عن التفكير، فيصبح جزءًا من الخطأ دون أن يدرك ذلك.

فحين يسقط العقل، لا تعود المشكلة في وجود الخطأ وحده، بل في غياب العقول التي تراه، والضمائر التي ترفضه، والأصوات التي تملك شجاعة مواجهته.

ويبقى السؤال: هل نملك الشجاعة لنفكر خارج ما اعتدنا عليه، أم أننا أصبحنا نكتفي بترديد ما يقوله الآخرون؟