سباق السيطرة على الموانئ : التنافس الدولي والإقليمي في القرن الأفريقي

July 13, 2026 تم النشر في
مقالات الرأي
...

بقلم /عفاف ممدوح
باحثة دكتوراه في العلوم السياسية حاصلة على ماجستير العلوم السياسية – جامعة القاهرة
مهتمة بالشأن الافريقي والعربي

 شهد القرن الأفريقي ولا سيما المنطقة الممتدة بين خليج عدن والبحر الأحمر اهتمامًا دوليًا متزايدًا بالموانئ والبنية التحتية البحرية، خاصة في الصومال وإقليم أرض الصومال ذو الحكم الذاتي وجيبوتي ويُعزى هذا الاهتمام إلى التحولات المتسارعة في البيئة الجيوسياسية الإقليمية والدولية ، إذ باتت المنطقة تمثل أحد أهم المحاور الاستراتيجية في منظومة التجارة العالمية وذلك نظرًا لقربها من مضيق باب المندب الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية بما في ذلك إمدادات الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا ، وقد جعلت هذه الأهمية الجغرافية من السيطرة على الموانئ وتأمين الوصول إليها أولوية استراتيجية ليس فقط للدول المطلة على البحر الأحمر بل أيضًا للقوى الدولية الساعية إلى تعزيز نفوذها في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
 وقد عززت التطورات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط ولا سيما الحرب على إيران وما صاحبها من تصاعد في التوترات الإقليمية الأهمية الاستراتيجية لموانئ القرن الأفريقي ، فمع تزايد المخاطر التي تهدد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وارتفاع احتمالات تعطل حركة العبور عبر مضيق باب المندب أصبحت خطوط الشحن العالمية أكثر عرضة للاضطرابات ، الأمر الذي دفع الدول وشركات النقل البحري إلى إعادة تقييم مساراتها والسعي إلى تأمين نقاط ارتكاز لوجستية أكثر أمنًا واستقرارًا ، وفي هذا السياق اكتسبت موانئ جيبوتي والصومال وأرض الصومال أهمية متزايدة ليس فقط بوصفها مراكز للتجارة وإنما أيضًا باعتبارها مراكز للدعم اللوجستي والإسناد البحري تسهم في ضمان استمرارية حركة التجارة الدولية. 
 وفي ضوء ذلك أسهمت هذه التطورات في تعزيز عسكرة الممرات البحرية مما حوّل موانئ القرن الأفريقي إلى ساحات للتنافس والصراع بين القوى الدولية والإقليمية الساعية إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري ، وانطلاقًا من ذلك تتناول هذه الدراسة الأهمية الجيوسياسية لهذه الموانئ من خلال استعراض أبعاد التنافس الراهن عليها وتحليل أثره في إعادة تشكيل خريطة النفوذ الدولي والتوازنات الجيوسياسية في المنطقة ، كما تسعى الدراسة إلى بيان الكيفية التي انعكس بها هذا التنافس على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي ودوره في إعادة صياغة التفاعلات الإقليمية والدولية المرتبطة بالممرات البحرية الاستراتيجية.

المحور الأول: الأهمية الجيوسياسية لموانئ القرن الأفريقي
يُعد القرن الأفريقي من أكثر الأقاليم الجيوسياسية أهمية في العالم؛ نظرًا لإشرافه على أحد أهم الممرات البحرية الحيوية والمتمثل في البحر الأحمر ومضيق باب المندب اللذين يربطان بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس ويمر عبر هذا الممر ما يقارب 10–15% من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك صادرات النفط والغاز والسلع المتجهة بين آسيا وأوروبا ، وبالنسبة للاقتصاد العالمي يُمثل هذا الطريق شريانًا حيويًا إذ يسهم انتظام حركة الملاحة فيه في انسياب التجارة الدولية في حين ينعكس أي اضطراب يطرأ عليه في ارتفاع تكاليف النقل وأسعار السلع وتهديد استقرار سلاسل الإمداد العالمية .
وقد جعل هذا الموقع الاستراتيجي من موانئ القرن الأفريقي عنصرًا رئيسًا في منظومة الأمن البحري والتجارة الدولية حيث برزت موانئ جيبوتي وبربرة وبوصاصو ومقديشو بوصفها مراكز تتجاوز وظيفتها التقليدية كمرافئ تجارية ومنشآت لوجستية تقليدية لتؤدي أدوارًا سياسية وعسكرية واقتصادية متزايدة ، كما أسهم موقع هذه الموانئ في استقطاب اهتمام قوى دولية وإقليمية متعددة تسعي إلى تأمين طرق التجارة البحرية وحماية سلاسل الإمداد العالمية وتأمين مصادر الطاقة، وتوسيع نطاق حضورها في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي ، ونتيجة لذلك، تحوّل البحر الأحمر تدريجيًا من مجرد ممر تجاري إلى ساحة استراتيجية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والتجارة وتوازنات القوى الدولية .
وقد تعززت الأهمية الجيوسياسية لموانئ القرن الأفريقي في ظل تصاعد التنافس بين القوى الدولية والإقليمية على توسيع نفوذها ، حيث تحولت هذه الموانئ من مجرد منشآت تجارية ولوجستية إلى أدوات فاعلة لتعزيز النفوذ الجيوسياسي والعسكري ، ويعكس هذا التحول إدراك القوى المتنافسة لما تمثله الموانئ من أهمية استراتيجية في حماية المصالح الاقتصادية وتأمين طرق التجارة وإمدادات الطاقة وتعزيز القدرة على التأثير في موازين القوى والتفاعلات السياسية والأمنية على المستويين الإقليمي والدولي .
وقد تجسّد هذا التنافس في اتجاه القوى الدولية والإقليمية إلى تعزيز حضورها من خلال الاستثمار في البنية التحتية للموانئ، وإدارتها وتشغيلها ، فضلًا عن إنشاء قواعد عسكرية ومراكز للدعم اللوجستي بالقرب منها ، وقد أسهم ذلك في ترسيخ المكانة الجيوسياسية لموانئ القرن الأفريقي وجعلها إحدى الركائز الرئيسة في تشكيل التوازنات الأمنية والسياسية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي الأمر الذي مهّد لتصاعد التنافس الدولي والإقليمي عليها .
المحور الثاني: القوى الدولية المتنافسة على موانئ القرن الأفريقي
أدى تصاعد الأهمية الجيوسياسية لموانئ القرن الأفريقي إلى احتدام التنافس بين القوى الدولية والإقليمية الساعية إلى حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة ، وقد اتخذ هذا التنافس أشكالًا متعددة تمثلت في الاستثمار في تطوير الموانئ وإدارتها وتشغيلها وإنشاء قواعد عسكرية ومراكز للدعم اللوجستي بما يعكس الأهمية المتزايدة لهذه الموانئ في تأمين طرق التجارة الدولية وخطوط إمداد الطاقة ، وفي هذا الإطار، برزت الصين والولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة وتركيا بوصفها أبرز القوى المنخرطة في هذا التنافس وإن اختلفت دوافع كل منها وأدواتها في تحقيق أهدافها ، فبينما تسعى الصين والولايات المتحدة إلى ترسيخ حضورهما الاستراتيجي لضمان أمن الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية تعمل قوى إقليمية مثل الإمارات العربية المتحدة وتركيا وقطر، على توسيع نفوذها من خلال الاستثمار في البنية التحتية للموانئ وإدارتها بما يجعل هذه الموانئ إحدى أهم أدوات التنافس الجيوسياسي في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي .
وتُعد الصين من أبرز القوى الدولية المنخرطة في هذا التنافس إذ يرتبط حضورها في المنطقة بمبادرة "الحزام والطريق" التي تستهدف تطوير الموانئ والممرات اللوجستية عبر المناطق الاستراتيجية ، وفي هذا الإطار تتبوأ جيبوتي مكانة محورية إذ تُعد المركز التجاري الرئيسي في القرن الأفريقي ولا سيما بالنسبة لإثيوبيا التي تعتمد بصورة شبه كاملة على موانئها للوصول إلى البحر ، وقد مكّن هذا الموقع جيبوتي من تطوير بنيتها التحتية بدعم من الاستثمارات الدولية وخاصة الصينية فضلًا عن استضافتها عددًا من القواعد العسكرية الأجنبية بما في ذلك أول قاعدة عسكرية صينية خارج الأراضي الصينية ، ومع ذلك تواجه جيبوتي تحديات متزايدة تتمثل في الاعتماد الكبير على الاستثمارات الأجنبية وتصاعد المنافسة من الموانئ البديلة في المنطقة فضلًا عن المخاطر المرتبطة بتحولها إلى مركز لتجمع القوى العسكرية الدولية .
وفي المقابل تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب من خلال تعزيز وجودها العسكري في جيبوتي ولا سيما عبر قاعدة "كامب ليمونييه"، التي تمثل أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في أفريقيا ، ويهدف هذا الوجود إلى حماية الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب وضمان حرية حركة التجارة العالمية فضلًا عن موازنة النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة ، أما الإمارات العربية المتحدة فقد رسخت مكانتها بوصفها أحد أبرز الفاعلين الإقليميين في إدارة وتطوير موانئ القرن الأفريقي وذلك من خلال استثمارات شركة "موانئ دبي العالمية" ، ويُعد ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال ذو الحكم الذاتي أبرز هذه المشروعات حيث اكتسب أهمية استراتيجية متزايدة بوصفه بديلًا محتملًا لموانئ جيبوتي خاصة بالنسبة لإثيوبيا الدولة الحبيسة التي تسعى إلى تنويع منافذها البحرية وتقليل اعتمادها على ميناء جيبوتي .
ولا يقتصر الاهتمام الدولي بأرض الصومال على الجوانب الاقتصادية بل يمتد أيضًا إلى الأبعاد السياسية والاستراتيجية وذلك في ظل تنامي النقاشات بشأن وضعها القانوني وإمكانية توسيع علاقاتها الخارجية وهو ما يضيف بعدًا جديدًا إلى معادلة التنافس الإقليمي في القرن الأفريقي ، أما الصومال فرغم امتلاكه موانئ ذات إمكانات استراتيجية كبيرة وفي مقدمتها ميناء مقديشو فإن دوره لا يزال محدودًا نسبيًا نتيجة استمرار التحديات الأمنية والسياسية والمؤسسية ، ومع ذلك تبذل الحكومة الصومالية بدعم من عدد من الشركاء الدوليين ولا سيما تركيا جهودًا متزايدة لتطوير البنية التحتية للموانئ وتعزيز قدراتها التشغيلية بما يسهم في إعادة دمج الصومال تدريجيًا في منظومة التجارة الإقليمية والدولية .
ويقدم الانخراط التركي في الصومال نموذجًا متميزًا يجمع بين الأبعاد الاقتصادية والأمنية إذ تتولى الشركات التركية إدارة ميناء مقديشو إلى جانب تشغيل قاعدة تدريب عسكرية تُعد من أكبر المنشآت العسكرية التركية خارج البلاد ، وقد مكّن هذا النهج أنقرة من الجمع بين تطوير البنية التحتية ودعم مؤسسات الدولة الصومالية وتعزيز التعاون الأمني بما أسهم في توسيع نفوذها السياسي والاستراتيجي داخل الصومال وجعلها قوة موازنة للنفوذ الخليجي في بعض مناطق القرن الأفريقي ، ويعكس هذا النهج إدراك تركيا للأهمية الجيوسياسية المتزايدة للمنطقة وسعيها إلى بناء نفوذ طويل الأمد يجمع بين التعاون الاقتصادي والدعم الأمني وتعزيز الحضور السياسي .
المحور الثالث: تداعيات التنافس الدولي على تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي
لا تقتصر تداعيات التنافس الدولي على الموانئ في القرن الأفريقي على الجوانب الاقتصادية فحسب بل تمتد لتشمل إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة فقد أصبحت الموانئ أدوات رئيسية لتعزيز النفوذ السياسي والعسكري وإعادة رسم التحالفات الإقليمية ، وفي الوقت نفسه أدى توسع الاستثمارات في البنية التحتية المينائية إلى زيادة الانخراط الإقليمي والدولي في قضايا محلية ذات حساسية سياسية وأمنية بالتوازي مع تنامي الوجود العسكري الأجنبي الأمر الذي عزز من عسكرة الممرات البحرية ورفع من احتمالات الاحتكاك غير المباشر بين القوى المتنافسة .
وفي ضوء هذه المعطيات يبدو أن منطقة القرن الأفريقي تتجه نحو نمط من التنافس الجيوسياسي المنظم حيث تؤدي الموانئ أدوارًا متباينة داخل شبكة إقليمية تتسم بمزيج من التنافس والتكامل في آن واحد ، ومن المرجح أن تحتفظ جيبوتي بموقعها بوصفها المركز اللوجستي الأهم في المدى المنظور، في حين يواصل ميناء بربرة تعزيز مكانته كمركز بديل يخدم المصالح الإثيوبية والإقليمية ، أما الصومال، فإن قدرته على الاستفادة الكاملة من موقعه البحري ستظل مرهونة بمدى نجاحه في تحقيق الاستقرار السياسي والأمني وتعزيز مؤسسات الدولة .
ومع ذلك يبقى احتمال تصاعد التنافس الجيوسياسي قائمًا، خاصة إذا تحولت الموانئ إلى أدوات مباشرة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية في إطار تنافسها الأوسع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ، وتُظهر التطورات الأخيرة أن التنافس الجيوسياسي بات يتمحور بشكل متزايد حول البنية التحتية البحرية وقد عكست بعض المؤشرات، مثل انخراط أطراف دولية في ترتيبات تتعلق بأرض الصومال، واستثمارات الإمارات العربية المتحدة في مينائي بربرة وبوصاصو، وتوسع النفوذ التركي عبر ميناء مقديشو، تحولًا في طبيعة التنافس الاستراتيجي من السيطرة على الطرق التقليدية إلى السيطرة على الموانئ والبنية التحتية اللوجستية باعتبارها أدوات مركزية لإعادة تشكيل النفوذ في المنطقة .
ختامًا
لم تعد موانئ القرن الأفريقي مجرد بوابات للتجارة الدولية بل أصبحت أصولًا استراتيجية تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية وذلك في ظل تصاعد التنافس بين القوى الدولية والإقليمية على تأمين الممرات البحرية الحيوية وتعزيز النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن ، فقد أسهم انخراط قوى مثل الصين والإمارات العربية المتحدة وتركيا إلى جانب القوى الغربية في إدماج البنية التحتية للموانئ ضمن استراتيجيات أوسع تتعلق بأمن سلاسل الإمداد وحماية طرق التجارة وتوسيع الحضور العسكري والسياسي في المنطقة.
وفي ضوء ذلك يعكس التنافس على موانئ القرن الأفريقي تحولًا جوهريًا في طبيعة النفوذ الدولي حيث أصبحت الموانئ أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية ولم تعد مجرد مرافق لخدمة التجارة البحرية ، وسيظل مستقبل هذه الموانئ، واستقرار المنطقة بوجه عام مرهونًا بقدرة الفاعلين المحليين والدوليين على إدارة هذا التنافس في إطار من التوازن والتعاون بما يحول دون تحوله إلى مصدر للصراع ويتيح في الوقت ذاته توظيف الإمكانات الاقتصادية والاستراتيجية التي تتمتع بها المنطقة لتحقيق التنمية وتعزيز الأمن البحري والإقليمي.