اليمن بين جمهورية الورق ودولة الفنادق: كيف ضاعت الدولة وتحولت الحرب إلى مشروع استثمار؟

June 23, 2026 تم النشر في
مقالات الرأي
...

بقلم :- فيروز الوالي

في اليمن، لم تعد المشكلة في طرف واحد، ولا يمكن اختزال المأساة في جماعة أو حكومة أو تحالف. فبعد أكثر من عقد من الحرب، أصبح السؤال الحقيقي أكبر من سؤال: من يحكم اليمن؟

السؤال الذي يطارد ملايين اليمنيين اليوم هو: لماذا فشلت كل القوى السياسية في تحويل معاناة الناس إلى مشروع وطني للخلاص؟

لماذا بقي الشارع في الجنوب حاضراً في الدفاع عن قضيته، بينما بدا الشارع في الشمال منهكاً وصامتاً ومشغولاً بمعركة البقاء؟

ولماذا تحولت الحرب التي رفعت شعار استعادة الدولة إلى واقع تتآكل فيه الدولة أكثر كل يوم؟

من الثورة إلى الإرهاق النفسي

في علم النفس السياسي، أخطر ما يمكن أن يصيب الشعوب ليس الخوف، بل فقدان الأمل.

فالإنسان يستطيع مقاومة الخوف، لكنه عندما يقتنع أن جهوده لن تغير شيئاً، يدخل في حالة من العجز المكتسب، وهي الحالة التي تجعل المواطن يراقب الأحداث دون أن يؤمن بقدرته على التأثير فيها.

لقد شاهد اليمنيون سنوات من الشعارات والوعود والمؤتمرات والبيانات والانتصارات المعلنة، لكنهم لم يشاهدوا دولة تعود، ولا اقتصاداً يتعافى، ولا مؤسسات تُبنى.

فكانت النتيجة جيلاً كاملاً يعيش حالة إنهاك نفسي وجماعي غير مسبوقة.

مجتمع يفتقد الثقة

الحرب لا تدمر المباني فقط، بل تدمر العلاقات الاجتماعية والثقة العامة.

اليوم لم يعد الانقسام سياسياً فقط، بل أصبح اجتماعياً وثقافياً ومناطقياً.

لكل طرف روايته الخاصة.

ولكل منطقة حقيقتها الخاصة.

ولكل جماعة إعلامها وخطابها وأبطالها.

أما اليمن الجامع فقد أصبح غائباً وسط هذا الضجيج.

لقد نجحت الحرب في تحويل المواطنين إلى جماعات متناحرة أكثر من نجاحها في بناء دولة أو تحقيق سلام.

ثقافة الولاء بدلاً من ثقافة الكفاءة

في الدول الناجحة يسأل الناس: ماذا تستطيع أن تقدم؟

أما في اليمن فكثيراً ما يكون السؤال: إلى أي معسكر تنتمي؟

أصبحت الكفاءة تتراجع أمام الولاء، والخبرة تتراجع أمام النفوذ، والمواطنة تتراجع أمام الانتماءات الضيقة.

ولهذا لم يكن غريباً أن تتعثر المؤسسات وأن تتراجع الإدارة العامة وأن يغادر كثير من أصحاب الكفاءات المشهد أو الوطن نفسه.

اقتصاد الحرب… المشروع الأكثر ربحاً

في بداية الصراع قيل إن الحرب وسيلة للوصول إلى السلام.

لكن مع مرور السنوات تحولت الحرب نفسها إلى اقتصاد متكامل.

هناك من يربح من استمرارها.

وهناك من يعيش عليها.

وهناك من بنى نفوذه وثروته من خلالها.

ولهذا أصبح السلام بالنسبة لبعض المستفيدين مشروعاً خاسراً، بينما أصبحت الحرب مشروعاً استثمارياً طويل الأجل.

أما المواطن، فقد تحول إلى ممول إجباري لهذا الاقتصاد عبر الضرائب والرسوم والجبايات وارتفاع الأسعار وانهيار العملة وغياب الرواتب.

الشرعية… الدولة التي غادرت الدولة

واحدة من أكبر المفارقات السياسية في اليمن أن شعار "استعادة الدولة" ظل يتردد لسنوات، بينما المواطن يسأل سؤالاً بسيطاً:

إذا كانت الدولة لم تستعد مؤسساتها في المناطق الخاضعة لها، فكيف ستستعيدها في المناطق التي لا تسيطر عليها؟

يتحدث المسؤولون عن الدولة بينما كثير من مؤسساتها معطلة.

ويتحدثون عن المرتبات بينما آلاف الأسر ما زالت تعيش أزمة دخل خانقة.

ويتحدثون عن التنمية بينما الخدمات الأساسية تنهار.

ليس هذا حكماً على جميع الأفراد أو المؤسسات، لكنه يعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطن والخطاب السياسي الرسمي.

عسكرياً… جيش يبحث عن دولة

المشكلة ليست في عدد الألوية ولا في عدد الجنود ولا في حجم الإنفاق العسكري.

المشكلة أن الدولة الحديثة لا تقوم على تعدد مراكز القرار العسكري.

فالقوة العسكرية تصبح مصدر استقرار عندما تكون جزءاً من مؤسسة وطنية موحدة، لكنها تتحول إلى مصدر هشاشة عندما تتوزع بين ولاءات ومراكز نفوذ متعددة.

ولهذا تبدو المعضلة اليمنية اليوم سياسية ومؤسسية أكثر من كونها عسكرية بحتة.

دبلوماسياً… اليمن كملف لا كوطن

في كثير من المحافل الدولية أصبح اليمن يُدار كأزمة إنسانية أكثر من كونه مشروع دولة.

تُناقش الأرقام.

وتُناقش المساعدات.

وتُناقش الهدن.

لكن الحديث عن إعادة بناء الدولة ما زال أضعف من حجم الكارثة.

وكأن العالم اكتفى بإدارة الأزمة بدلاً من معالجة جذورها.

إعلامياً… الحقيقة الضائعة بين المنصات

كل طرف يملك قناة.

وكل قناة تملك رواية.

وكل رواية تقدم نفسها باعتبارها الحقيقة المطلقة.

حتى أصبح المواطن يتنقل بين وسائل الإعلام كما يتنقل بين عوالم متوازية لا علاقة لبعضها ببعض.

الإعلام الذي كان يفترض أن ينقل الحقيقة أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من معركة صناعة الحقيقة.

قانونياً ودستورياً… دولة معلقة

الدستور موجود.

والقوانين موجودة.

لكن الدولة ليست نصوصاً مكتوبة فقط.

الدولة هي قدرة تلك النصوص على حماية المواطن وتطبيق العدالة.

وعندما تتعطل المؤسسات ويتراجع حكم القانون تصبح النصوص مجرد أوراق محفوظة في الأدراج.

أمنياً… المواطن آخر الأولويات

يتحدث الجميع عن الأمن.

لكن الأمن الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أن حياته وحقوقه ومستقبله محمية.

الأمن ليس فقط غياب الرصاص.

بل وجود العدالة والوظيفة والتعليم والصحة والخدمات.

وعندما يغيب ذلك كله يصبح الاستقرار هشاً مهما ارتفعت الشعارات.

جغرافياً… وطن واحد ووقائع متعددة

اليمن جغرافياً بلد واحد.

لكن الحرب صنعت خرائط سياسية واقتصادية وإدارية متعددة.

وأصبح المواطن يشعر أحياناً أنه ينتقل بين دول مختلفة داخل الدولة نفسها.

وهذه واحدة من أخطر نتائج الصراع لأنها تهدد فكرة الدولة الوطنية على المدى الطويل.

كيف نخرج من هذا النفق؟

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أولاً هي أن اليمن لن يخرج من أزمته بمنطق المنتصر والمهزوم.

فلا أحد استطاع حسم الحرب.

ولا أحد استطاع بناء الدولة منفرداً.

ولا أحد يمتلك القدرة على إلغاء الآخرين.

الخروج يبدأ بالانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام.

وبإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وبإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية ومهنية.

وبإطلاق مشروع وطني يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والكفاءة بدلاً من الولاءات الضيقة.

كما يحتاج اليمن إلى تنمية حقيقية تخلق فرص عمل وتعيد الأمل للشباب وتمنح الناس سبباً للدفاع عن السلام.

فالشعوب لا تحمي الاتفاقات السياسية فقط، بل تحمي المصالح التي تشعر أنها تخدم حياتها ومستقبل أبنائها.

الخلاصة

المشكلة اليمنية ليست مجرد أزمة سلطة.

إنها أزمة ثقة.

وأزمة دولة.

وأزمة نخب.

وأزمة اقتصاد.

وأزمة مشروع وطني.

لقد دفع اليمنيون ثمناً باهظاً من الدماء والأعمار والفرص الضائعة.

واليوم لم يعد المواطن يبحث عن خطابات جديدة أو شعارات جديدة أو أبطال جدد.

إنه يبحث عن دولة.

دولة تحترم القانون.

ودولة تدفع الرواتب.

ودولة توفر الخدمات.

ودولة تجعل الانتماء إليها أكبر من الانتماء لأي جماعة أو حزب أو منطقة.

فالأوطان لا تنهار فقط عندما تنتصر الجيوش على بعضها، بل عندما يعجز السياسيون عن تحويل التضحيات إلى مستقبل.

واليمن اليوم يقف عند هذه اللحظة الفاصلة:

إما أن يبقى أسيراً لحربٍ أصبحت تجارةً للبعض ومأساةً للجميع،

وإما أن يقرر أبناؤه أن الدولة ليست غنيمة يتقاسمها المنتصرون، بل عقداً وطنياً يحمي الجميع.

وعندها فقط يمكن لليمن أن يخرج من أطول نفق في تاريخه الحديث نحو ضوء الدولة التي انتظرها مواطنوه طويلاً.