سياسة قراقوش.. من ماركس إلى ترمب!

بقلم :- أ.د/ خالد بلخشر
في الجامعة لم يكن التعليم دائمًا بحثًا حرًا بقدر ما كان تلقينًا أيديولوجيًا؛ كانت نصوص كارل ماركس وفريدريك إنجلز وفلاديمير لينين تُقدَّم بوصفها يقينًا تاريخيًا لا نظرية قابلة للنقد.. لم تُطرح بوصفها أدوات تحليل، بل كعقيدة سياسية شبه مغلقة، بينما كثير ممن درّسوها لم يتجاوزوا ظاهرها الشعاري ولا تعقيدها الفلسفي.
لكن المفارقة أن الواقع _ لا الكتب _ كان أسرع في فضح الهشاشة؛ فما إن خرجنا إلى الحياة حتى اكتشفنا أن المنظّرين أنفسهم غادروا مواقعهم النظرية نحو منطقة رمادية: لا رأسمالية مكتملة، ولا مشروعًا إسلاميًا واضحًا، ولا حتى نظامًا ثيوقراطيًا متماسكًا.. كانت تحوّلات أقرب إلى براغماتية مرتبكة منها إلى مراجعات فكرية صادقة.
ثم جاء خطاب مضاد لا يقل اختزالًا: فتاوى جاهزة تُصنّف الناس لا وفق فهمهم بل وفق ماضيهم التعليمي، وكأن الفكر تهمة أبدية. وهكذا وجد جيل كامل نفسه بين حدّين حادّين: أيديولوجيا لم تُفهم جيدًا، وتديّن سياسي لم يحتمل التعقيد الفكري أصلًا.
سياسيًا، لم تكن الأزمة صراع أفكار بقدر ما كانت صراع سلطات؛ إذ سرعان ما تحوّل كثير من رُعاة الشعارات إلى حراس مصالح، وانشغل بعضهم بما كانوا يسمونه سابقًا (ترف البرجوازية).. هنا يتجلّى أحد دروس التاريخ القاسية: أن الأيديولوجيا حين تفقد بعدها الأخلاقي تتحول إلى مجرد لغة لتبرير النفوذ.
أما المجتمع، فظل يدور في حلقة الحنين: كل مرحلة تُدان لاحقًا، ثم يُعاد استدعاؤها باعتبارها ((الفردوس الآمن )) مقارنة بما تلاها. ليس لأن الماضي كان مثاليًا، بل لأن الحاضر غالبًا يأتي بلا مشروع واضح، فيدفع الناس نفسيًا إلى الاحتماء بالذاكرة.
وهكذا نجد أنفسنا _ مرة بعد أخرى _ داخل نظم هجينة: ليست علمانية بما يكفي لضمان الحريات، ولا دينية بما يكفي لتحقيق العدالة الأخلاقية، ولا اشتراكية تحقق المساواة، ولا رأسمالية تنتج ازدهارًا مستقرًا. مجرد خليط سياسي يتغيّر عنوانه بينما تبقى أزماته البنيوية كما هي.
ربما المأساة الأعمق ليست في سقوط الأفكار، بل في غياب القدرة على إنتاج فكرة جديدة؛ فكرة تتجاوز ثنائية التكفير والتخوين، وتفصل بين قداسة الدين ونسبية السياسة، وبين نقد الرأسمالية ورفض الاستبداد، وبين العدالة الاجتماعية وحرية الإنسان.
إلى أن يحدث ذلك، سنظل في القارب نفسه: شعارات متضادة ترفرف فوق رؤوسنا، وربابنة يجيدون النجاة الفردية أكثر مما يجيدون قيادة السفينة.